فصل في الغيبة
الجزء ٣٣ · صفحة ١٢٠مِنْ مَظْلِمَتِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحِلَّهُ وَهُوَ حَزِينٌ مُتَأَسِّفٌ نَادِمٌ عَلَى مَا فَعَلَهُ ، فَإِنْ اسْتَحَلَّهُ فِي الظَّاهِرِ وَلَمْ يَنْدَمْ فِي الْبَاطِنِ فَقَدْ قَارَفَ مَعْصِيَةً أُخْرَى .
وَسُئِلَ عَطَاءٌ عَنْ تَوْبَةِ الْمُغْتَابِ قَالَ : أَنْ يَمْشِيَ إلَى صَاحِبِهِ فَيَقُولَ لَهُ : كَذَبْتَ فِيمَا قُلْتُ إنْ كَانَ كَاذِبًا ، وَهَذَا عَلَى أَنَّ الْغِيبَةَ تَكُونُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ كَذِبٌ أَيْضًا ، أَوْ أَرَادَ بِالْكَذِبِ عَدَمَ الِاسْتِقَامَةِ ، وَظَلَمْتُكَ وَأَسَأْتُ فَإِنْ شِئْتَ أَخَذْتَ بِحَقِّكَ ، وَإِنْ شِئْتَ وَهَبْتَ .
قَالَ الْغَزَالِيُّ : وَقَوْلُ الْقَائِلِ : الْعِرْضُ لَا عِوَضَ لَهُ فَلَا يَجِبُ الِاسْتِحْلَالُ مِنْهُ بِخِلَافِ الْمَالِ ، كَلَامٌ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ فِي الْعِرْضِ حَدُّ الْقَذْفِ وَلِلْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ .
وَسَبِيلُ الْمُغْتَابِ أَنْ يُبَالِغَ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالتَّوَدُّدِ لَهُ وَيُلَازِمُ ذَلِكَ حَتَّى يَطِيبَ قَلْبُهُ فَإِنْ لَمْ يَطِبْ قَلْبُهُ كَانَ اعْتِذَارُهُ وَتَوَدُّدُهُ حَسَنَةً مَحْسُوبَةً لَهُ يُقَابِلُ بِهَا سَيِّئَةَ الْغِيبَةِ ، ( أَوْ لَا ؟ ) تَجُوزُ الْمُحَالَلَةُ فِي الْغِيبَةِ لَا يَقُولُ : اجْعَلْنِي فِي حِلٍّ وَلَا يَقُولُ الْمَذْكُورُ : جَعَلْتُكَ فِيهِ ، بَلْ يُحْسِنُ إلَيْهِ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ كَمَا مَرَّ .
قَالَ الْحَسَنُ : يَكْفِيهِ الِاسْتِغْفَارُ دُونَ الِاسْتِحْلَالِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ كَفَّارَةُ مَنْ اغْتَبْتَهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ ﴾ ، قَالَ مُجَاهِدٌ : كَفَّارَةُ أَكْلِكَ لَحْمَ أَخِيكَ أَنْ تُثْنِيَ عَلَيْهِ وَتَدْعُوَ لَهُ بِخَيْرٍ .
وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ : لَا أُحَلِّلُ مَنْ اغْتَابَنِي ، وَقَالَ سَعِيدٌ : لَا أُحَلِّلُ مَنْ ظَلَمَنِي أَيْ ؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ لَا يُحَلُّ مِنْهُ ، وَمِنْهُ الْغِيبَةُ فَلَا أَلْفِظُ بِلَفْظٍ يُوهِمُ تَحْلِيلَ الْحَرَامِ ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : إنِّي لَمْ أُحَرِّمْهَا عَلَيْهِ فَأُحَلِّلَهَا ، إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْغِيبَةَ عَلَيْهِ ، وَمَا كُنْتُ لِأُحِلّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ أَبَدًا ، وَوَجْهُ ذَلِكَ التَّنَزُّهُ عَنْ اللَّفْظِ الْمُوهِمِ ( قَوْلَانِ ) .
قَالَ