باب في الحب والبغض والتأديب وإخراج الحق والحكم
الجزء ٣٣ · صفحة ١٩٣الدَّقَّاقُ : إنَّ الْمَشَايِخَ قَالُوا : إنَّ طَرِيقَتَنَا هَذِهِ بَيِّنَةٌ لَا تَصْلُحُ إلَّا لِأَقْوَامٍ كَنَسَ اللَّهُ بِأَرْوَاحِهِمْ الْمَزَابِلَ ، فَالْمُحِبُّ أَبَدًا يَكْنُسُ بَابَ مَحْبُوبِهِ بِرُوحِهِ لَا يَدْعُ خِدْمَتَهُ مَا أَمْكَنَهُ ، يَصِلُ سَيْرَهُ بُسْرَاهُ ، وَيَدَعُ هَوَاهُ فِي رِضَاهُ وَأَنْشَدُوا : أُحِبُّكُمْ مَا دُمْتُ حَيًّا وَإِنْ أَمُتْ أَحَبَّكُمْ قَلْبٌ فِي التُّرَاب تَرِيبُ وَأَنْشَدُوا : وَمِنْ كَاسِفَاتِ الرَّيْبِ أَنِّي وَامِقُ تَجَافِيَكَ عَنِّي وَاعْتِكَافِي بِبَابِكَ يُهْجَرُ فَيَأْبَى إلَّا الْوِصَالَ ، وَيُقَابَلُ بِالصَّدِّ وَالرَّدِّ وَالْإِهَانَةِ وَالطَّرْدِ وَالتَّنْفِيرِ وَالْبُعْدِ ، وَلَا يَزْدَادُ بِالظَّاهِرِ إلَّا جَهْدًا عَلَى جَهْدٍ ، وَبِالْبَاطِنِ إلَّا وَجْدًا عَلَى وَجْدٍ ، يُؤْثِرُ الذُّلَّ عَلَى الْعِزِّ ، وَالْبُعْدَ عَلَى الْقُرْبِ ، وَأَنْشَدُوا : وَأَهَنْتِنِي فَأَهَنْتُ نَفْسِي صَاغِرًا يَا مَنْ يَهُونُ عَلَيْكِ مِمَّنْ أُكْرِمُ وَأَنْشَدُوا : رَأَيْتُكِ يُدْنِينِي إلَيْكِ تَبَاعُدِي فَبَاعَدْتُ نَفْسِي لِابْتِغَاءِ التَّقَرُّبِ وَقِيلَ : أَصْلُهُ مِنْ الْحَبِّ وَهُوَ الْقُرْطُ يُسَمَّى حَبًّا لَقَلَقِهِ وَهُوَ اضْطِرَابُهُ كَمَا أَنَّ الْقُرْطَ لَا يَسْتَقِرُّ بَلْ يَضْطَرِبُ أَبَدًا كَذَلِكَ الْمُحِبُّ عَدِيمُ الْقَرَارِ بَعِيدُ الِاصْطِبَارِ ، لَا يَسْكُنُ أَنِينُهُ ، وَلَا يَهْدَأُ حَنِينُهُ ، نَهَارُهُ لَيْلٌ ، وَلَيْلُهُ وَيْلٌ ، وَنَوْمُهُ مَعْقُودٌ وَفِي قَلْبِهِ وَقُودٌ ، قَالَ الْقُشَيْرِيِّ : وَقِيلَ أَصْلُهُ مِنْ الْحَبَّةِ وَهِيَ بَزْرٌ يَنْبُتُ فِي الصَّحْرَاءِ فَالْمَحَبَّةُ شَجَرَةٌ تُغْرَسُ فِي الْفُؤَادِ وَتُسْقَى بِمَاءِ الْوِدَادِ أَصْلُهَا ثَابِتٌ فِي السِّرِّ وَفَرْعُهَا نَابِتٌ فِي هَوَاءِ الْهِمَّةِ وَثَمَرُهَا لَطَائِفُ الْأُنْسِ تُؤْتِي أُكُلَهَا دَائِمًا ، وَقِيلَ : الْحُبُّ الْحَقِيقِيُّ : الْإِيثَارُ وَهُوَ أَنْ لَا يَدَعُ لِمَحْبُوبِهِ مَيْسُورًا إلَّا بَذَلَهُ وَلَا مُمْكِنًا إلَّا اسْتَعْمَلَهُ ، لَا يَبْغِي لِنَفْسِهِ وَلَحْظِهِ نَوْمًا وَلَا سِنَةً وَلَا يَسْتَثْنِي مِنْ جُمْلَةِ مَا يَبْذُلُهُ لَحْظَةً وَلَا نَسَمَةً ، وَأَنْشَدُوا : لَئِنْ بَقِيَتْ فِي الْعَيْنِ