باب في اللمز والهمز والغمز
الجزء ٣٣ · صفحة ٢٧٢وَيَقْدِرَ عَلَى دَفْعِهِ وَلَمْ يَدْفَعْهُ حِفْظًا لِجَنَابِ مُرْتَكِبِهِ أَوْ جَنَابِ غَيْرِهِ أَوْ لِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِالدِّينِ ، وَفِي كَنْزِ الْأَسْرَارِ : الْمُدَاهَنَةُ مُقَابَلَةُ النَّاسِ بِمَا يُحِبُّونَ مِنْ الْقَوْلِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ أَيْ : وَدُّوا لَوْ أَثْنَيْتَ عَلَى أَحْوَالِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ وَيُثْنُونَ عَلَى أَحْوَالِكَ وَعِبَادَتِكَ ، وَذَلِكَ حَرَامٌ ، وَكَذَا شُكْرُ الظَّالِمِ عَلَى ظُلْمِهِ وَالْمُبْتَدَعِ عَلَى بِدْعَتِهِ وَالْمُبْطِلِ عَلَى بَاطِلِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ تَكْثِيرٌ لِلظُّلْمِ وَتَقْرِيرٌ لَهُ ، وَقَدْ تُبَاحُ الْمُدَاهَنَةُ وَذَلِكَ إذَا اتَّقَى بِهَا شَرَّ ظَالِمٍ إذَا شَكَرَهُ بِالْكَلِمَةِ الْخَفِيفَةِ فَإِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَفِيهِ صِفَةُ شُكْرٍ وَلَوْ أَخَسَّ النَّاسِ ، قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ : إنَّا لَنَتَبَسَّمُ فِي وُجُوهِ قَوْمٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنَهُمْ ، وَقَدْ تَكُونُ الْمُدَاهَنَةُ وَاجِبَةً وَذَلِكَ إذَا كَانَ يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى دَفْعِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَا يُدْفَعُ إلَّا بِهَا وَتَكُونُ مَنْدُوبَةً إذَا كَانَتْ وَسِيلَةً إلَى مَنْدُوبٍ وَمَكْرُوهَةً إذَا كَانَتْ وَسِيلَةً إلَى مَكْرُوهٍ .
وَيُقَالُ : الْمُدَاهَنَةُ بَذْلُ الدِّينِ لِأَجْلِ الدُّنْيَا وَالْمُدَارَاةُ بَذْلُ الدُّنْيَا لِأَجْلِ الدِّينِ ، وَالْمُدَارَاةُ حَلَالٌ ، وَقَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي الْمَوَاهِبِ وَشَرْحِ الْهَمْزِيَّةِ : الْمُدَارَاةُ بَذْلُ الدُّنْيَا لِصَلَاحِ الدِّينِ أَوْ الدُّنْيَا أَوْ هُمَا بِخِلَافِ الْمُدَاهَنَةِ فَإِنَّهَا بَذْلُ الدِّينِ لِصَلَاحِ الدُّنْيَا ، وَفِي الْقَنَاطِرِ : الْمُدَارَاةُ مَأْمُورٌ بِهَا لِدَفْعِ شَرِّ الْأَشْرَارِ وَتَأْلِيفِهِمْ لِجَرِّ الْمَنَافِعِ وَكِفَايَةِ الْعَارِ وَطَلَبِ الثَّأْرِ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : لَا تَكْرَهُوا غَوْغَاءَكُمْ فَإِنَّهَا مُسِدَّةٌ لِهَيَاهِكُمْ وَمُطْفِئَةٌ لِنِيرَانِكُمْ ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ : أَكْرِمُوا سُفَهَاءَكُمْ فَإِنَّهُمْ يَكْفُونَكُمْ الْعَارَ وَالنَّارَ ، وَيُقَالُ : لَا يَسْتَقِيمُ هَذَا الدِّينُ إلَّا بِالْفُقَهَاءِ وَالسُّفَهَاءِ وَالسُّيُوفِ ،