باب في ما ينعقد به البيع من الألفاظ وما يتصل
الجزء ١٤ · صفحة ٣٧٧بِالْأَبْدَانِ ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ يَتَفَرَّقَا بِالْبَدَنِ ، وَلَوْ كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَى التَّفَرُّقِ بِالْقَوْلِ ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْوَفَاءُ بِالْعُقُودِ وَهِيَ الْمَوَاعِيدُ وَاجِبًا وَتَرْكُهُ حَرَامًا لَزِمَ الْعَمَلُ بِمَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْحَرَامِ وَذَلِكَ بِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ عَلَى الْوَعْدِ ، فَلَزِمَ وَلِيَّ الْأَمْرِ أَنْ يُجْبِرَهُمْ عَلَى التَّسْلِيمِ يُوفِي هَذَا مُثَمَّنًا وَهَذَا ثَمَنًا .
وَكَذَا قَوْلُهُ : ﴿ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ سَبَبِ النُّزُولِ ، وَهُوَ هُنَا أَنَّهُمْ قَالُوا : لَوْ عَلِمْنَا أَحَبَّ الْأَعْمَالِ لَبَذَلْنَا فِيهِ أَنْفُسَنَا وَأَمْوَالَنَا فَنَزَلَ : ﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا ﴾ فَوَلَّوْا يَوْمَ أُحُدٍ ، فَنَزَلَ : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ لَكِنْ لَا يُعْمَلُ بِهِ فِيمَا تَعُمُّ الْبَلْوَى ؛ لِأَنَّهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : هُوَ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ الْجَلِيِّ فِي إلْحَاقِ مَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ بِمَا بَعْدَهُ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : التَّفَرُّقُ بِالْأَبْدَانِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ تَحْسِينًا لِلْمُعَامَلَةِ مَعَ الْمُسْلِمِ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : مَحْمُولٌ عَلَى الِاحْتِيَاطِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ ، وَقِيلَ : الْمُتَبَايِعَانِ الْمُتَسَاوِمَانِ ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ مَجَازٌ وَالْحَقِيقَةُ وَمَا يَقْرَبُ مِنْهَا أَوْلَى ، وَلَوْ كَانَ اسْتِعْمَالُ الْبَائِعِ بِمَعْنَى الْمُسَاوِمِ وَارِدًا فِي اللُّغَةِ ، وَإِنْ قُلْتَ : إذَا حَمَلْتُمْ الِافْتِرَاقَ عَلَى الِافْتِرَاقِ بِالصِّفَةِ فَتَسْمِيَتُهُمَا بَائِعَيْنِ مَجَازٌ ، قُلْتُ : نَعَمْ مَجَازٌ ، بِمَعْنَى مُرِيدَيْ الْبَيْعِ أَوْ مُشْرِفَيْنِ عَلَيْهِ ، أَوْ مُتَّفِقَيْنِ عَلَيْهِ ، وَمِنْ مَجَازِ الْأَوَّلِ كَمَا أَنَّهَا مَجَازٌ بَعْدَ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ .