تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

116

الجزء ٣ · صفحة ٢٠٢

﴿ قَالَ أَلْقُوا ﴾ سوغ لهم موسى رغبتهم فى أَن يلقوا هم أَولا ازدراء لشأنهم وقلة مبالاة بهم وثقة بما كانوا بصدده من التأييد السماوى ، وأَن المعجزة لن يغلبها سحر أَبداً . ﴿ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ ﴾ أَروا الناس بالحيلة والشعوذة وخيلوا ما الحقيقة بخلافه ، كما فى قوله تعالى ﴿ يخيل إِليه من سحرهم أَنها تسعى ﴾ روى أَنهم أَلقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا ، فإِذا هى أَمثال الحيات قد ملأَت الأَرض وركب بعضها بعضا ، ﴿ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ ﴾ وأَرهبوهم إِرهابا شديداً كأَنهم عالجوا رهبتهم واستدعوها بذلك ، فالسين والتاء للطلب أَو للمبالغة ، واختيرت المبالغة بهما لأَن أَصلهما الطلب والتكلف ، وما كذلك يكون على الكمال ﴿ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴾ فى فنه من الإِيهام ، وإِنما صح لموسى عليه السلام أَن يأمرهم بإِلقاءِ السحر مع أَن إِلقاءَه كفر لأَنه لم يرد الإِلقاءَ بالذات ، بل أَراده ليظهر بطلانه بمعجزة من الله جل وعلا ، ولو أَلقى أَولا لم يظهر ذلك ، وليس أَمره أَمرا بمعصية ورضا بها ، بل أَمره عبادة لأَنه إِنما تظهر معجزته بإِلقائهم ، ولتحقيرهم وتحقير إِلقائهم ، ولأَن المراد إِن كان لا بد من الإِلقاءِ فأَلقوا أَولا ، وقال فى آية أُخرى ﴿ وإِما أَن نكون أَول من ألقى ﴾ ويقال : لما قالوا ذلك سمع موسى عليه السلام مناديا : بل أَنتم ألقوا يا أولياءَ الله ، ﴿ فأَوجس فى نفسه خيفة موسى ﴾ وذلك فى الإِسكندرية فيما قيل ، وزعموا أَن ذنب الحية وراءَ البحر ، ولا يتم ذلك إِلا أَن أريد بالبحر الخليج الواصل الإِسكندرية من النيل ، ظلوا الخشب الطوال والغلاظ والحبال والعصى بالزئبق وجعلوها فى تجاويفها ميلا فى ميل ، وتحركت بحرارة الشمس ، فاناظر يتخيل حيات تتحرك ويركب بعضها بعضا ، وثعابين ، والسحر تارة تخييل كما فى القصة ، وتارة تحقيق والكل بخلق الله تعالى .

١٬٢٠٢ / ٦٬٠٩٣