تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

126

الجزء ٣ · صفحة ٢١٠

﴿ وَمَا تُنْقِمُ مِنَّا ﴾ ما تكره منا كراهة شديدة أَو ما تنكر منا أَو ما تعيب علينا ، أَو ما تطعن علينا ﴿ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا ﴾ ومصدر آمنا مفعول به لتنقم أَو مفعول لأَجله ، أَى إِلا إِيماننا ولا خير إِلا فيه ، وكل ضر فى خلافه فلسنا نرجع عنه فاقض ما أَنت قاض ، فلسنا نهاب الموت بالقطع والتصليب ، والاية من تأكيد المدح بما يشبه الذم ، قال السعد : ولكن ليس من قبيل قوله :

ولا عيب فيهم غير أَن سيوفهم … بهن فلول من قراع الكتائب

بل من ضرب آخر وهو أَن يؤتى بالمستثنى مفرغاً إِليه ، والعامل مما فيه الذم ، والمستثنى مما فيه المدح ، قلت : هما من باب واحد . ومرادهم بالآيات العصا تعظيماً لها ، أَو العصا وما قد شاهدوه معها كاليد البيضاء ، أَو انقلاب العصا ثعباناً وكونه عظيماً ، وبلعه ما صنعوا وعدم عظمه بما بلع ، أَو عدم رجوع ما صنعوا وعدم بقاء أَثره كروث ورماد ، ورجوعه عصا كما كان ، والسابق يلائم العصا وأَحوالها ، وأَما غيرها فلو كان لا يلائم المقام لكن لا مانع من حضور الإيمان بشئ فى غير وقته السابق ﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا ﴾ حتى لا نرجع للكفر بعد الإِيمان بفعل فرعون . وإِفراغ الإِناء صب ما فيه وهو تصييره فارغاً فاستعمل فى إِلقاء الصبر عليهم تشبيها بإِلقاء ما فى الإِناء ، أَو المعنى ربنا آتنا صبراً واسعاً بحيث يغمرنا ويحيط بنا كما يحيط الماء ، فالإِفراغ مستعار للإِفاضة المستعارة لإِلقاء الصبر ، أَو شبه الصبر فى الكثرة وغمره بالماء الذى يحيط ، ورمز إِليه بالإِفراغ ، أَو شبه الصبر بالماء بجامع التطهير كما أَن الماءَ يطهر الدنس فإِن الصبر على فعل فرعون يطهر الذنوب ، وذلك استعارة ﴿ وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ﴾ غير مفتونين عن دين الإِسلام ، فقيل أَنه صلبهم وقطعهم ، وقيل لم يفعل ذلك ، ولم يقدر عليه لقوله تعالى « أنتما ومن اتبعكما الغالبون » والمشهور الأَول ، والغلبة لا تتعين بعدم فعل ذلك ، فإِنها بالحجة وإِنها بالإِغراق ، وأَن ابن عباس قال : صلبهم وقطعهم من خلاف ، ولا يدل طلب التوفى على الإِسلام على عدم فعله ، كما قيل بجواز أَن يتوفاهم الله بالقطع والتصليب على الإِيمان ، ولا يدل مبالغته فى الصبر عن الإِيمان على أَنه صلبهم وقطعهم لجواز أَن لا يصل ما رغب فيه ، وهاب لعنه الله موسى عليه السلام بعد ذلك أَن يأخذه أَو يحبسه ، وخلى سبيله خوفاً منه شديداً ، ولم يرض قومه بذلك ، فقالوا له ما ذكر الله بقوله :

﴿ وَقَالَ المَلأُ مِنْ قَوْمٍ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِى الأَرْضِ ﴾ أَرض مصر ﴿ وَيَذَرَكَ ﴾ خص موسى بالذكر هنا بياناً لكونه عمدة ، وإِفسادهم تبع لإِفساده ﴿ وَآلِهَتَكَ ﴾ والاستفهام إِنكار للياقة ، وليفسدوا إِغراء بتعليل بالغوا فيه ، بأَن قصدك ترك موسى وقومه لأَجل أَن يفسدوا ، أَو كأَنك تركتهم ليفسدوا ، أَو اللام للعاقبة ، أَى يفسدوا كل ما وجدوا صالحاً من الدنيا والدين ، فالحذف للعموم ، أَو نزل منزلة اللازم أَى ليوقعوا الفساد ، أَو يقدر ليفسدوا الناس ، كما روى أَنه لما آمنت السحرة تبعه ستمائة أَلف من بنى إِسرائيل ، وواو قوله « ويذرك » عطف أَو معية ليذرك ، أَو أَتذر موسى وقومه مع تركه آلهتك؟ وقد جعل لهم أَصناماً آلهة صغاراً يتقربون إِليه بعبادتها ، وقال : أَنا ربها وربكم ، ولذلك قال

١٬٢١٠ / ٦٬٠٩٣