142
الجزء ٣ · صفحة ٢٢٤﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةَ ﴾ ثلاثين مفعول ثان لواعدنا ، وهو نفس الموعود ، والمراد وعد عبادة عظيمة أَى واعدناه إِياها بالعبادة فيها ، وليس ظرفا ، وكأَنه قيل : واعدناه عبادتها أَو تمامها ، أَو مكثها منه وإِنزال الكتاب منا . وذلك أَن المواعدة من الله ومنه ، والثلاثون هى ليالى ذى القعدة ، صارت ثلاثين لا تسعة وعشرين ، أَمره بصومها فصام لياليها وأَيامها ، لا لياليها فقط بأَمر الله ، على أَن يعطيه التوراة ويكمله على تمامها ، ولما تمت كره أَن يلقى الله بريح فم الصوم فمضغ شيئا من نبات الأَرض أَو تسوك بعود خرنوب ، أَو أَكل من ورق الشجر ، فقال الملائكة : كنا نشم من فيك رائحة المسك فأَفسدته بالسواك ، وفى قولهم كنا نشم تفسير لما روى أَنه أَوحى الله إِليه : لا أَكلمك حتى يعود فوك إِلى ما كان عليه ، أَام علمت أَن ريح فم الصائم أَحب إِلىَّ - أَى إِلى ملائكتى - من ريح المسك ، وأَمره بصوم عشرة من ذى الحجة آخرها يوم العيد ، كما قال ﴿ وَأَتْمَمْنَاهَا ﴾ أَى الثلاثين زدنا عليها ما يتم به شأنها ، فلا يقال هى تامة فى نفسها بعددها فكيف يتم عددها ، أَو أَتممنا المواعدة المعلومة من واعدنا ﴿ بِعَشْرٍ ﴾ بليال عشر صامها ليلا ونهاراً ، أَقدره على ذلك فى أربعين يوما ، أَو كان يفطر عند الغروب فقط ، والوصال مباح للأَنبياءِ خاصة ، أَو مع أممهم السابقة ، وشاركتهم الصحابة أَول الأَمر ثم نسخ جوازه لغير النبى A ﴿ فَتَمَّ مِيقَتُ رَبِّهِ ﴾ الميقات ما قدر فيه عمل الوقت ، وما وقت لشئٍ قدر أَم لم يقدر ﴿ أَرْبَعِينَ لَيْلَةَ ﴾ أَى بالغا أَربعين ليلة ، أَو حال كون ميقاته أَربعين ، أَو ظرف على تأويل أَن كل جزءٍ من الأَربعين به التمام ، إِذ لو لم يكن لم يحصل التمام ، وزعم بعض أَن أَربعين حال ، إِذ ناب عن الحال وهو بالغا ، ورده أَبو حيان بأَن مفعول الحال لا يسمى حالا ، وردوا عليه تعصباً بأَن النحاة يسمون معمول العامل باسم العامل كما يسمون الظرف خبراً ، وهذا خطأ ، والصواب مع أَبى حيان لأَن الظرف يسمى خبراً لتضمنه معنى الخبر الاستقرارى ، وإِذا حذف المنعوت المخبر به فإِنما يطلق على النعت أَنه خبر لأَنه جئَ به على معنى الإِخبار به ، وهكذا ولا يتوهم أَن أَربعين بمعنى إِلا من لم يبلغ العقد ، وآخرها يوم العيد ، أَو ثلاثين ذى الحجة تمت بعشرة من المحرم آخرها يوم عاشوراءَ فكلمه الله آخر يوم عيد الأَضحى أَو آخر يوم عاشوراءَ ، وعده الله أَن يهلك فرعون ثم ينزل عليه كتابا فيه ما تفعل بنو إِسرائيل وما تذر ، فأَمره الله D أَن يصوم الأَربعين كما أَجمل فى سورة البقرة ، وفصل هنا بثلاثين وعشرة ، وقيل الثلاثون للتقرب ، والعشرة لإِنزال التوراة ، وللكلام فى الجزء الأخير منها أَو بعد تمامها ، وفيها وقعت قصة العجل ، وما نزل فى العشرة أَو آخرها أَو بعد تمامها صح أَنه نزل فى الأَربعين أَو بعد تمامها ، ولكن خصت العشرة بالإِنزال لأنها أَعدت له ﴿ وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ ﴾ حين ذهب إِلى الطور للمناجاة ﴿ اخْلُفْنِى فِى قَوْمِى ﴾ قم فيهم مقامى بالأَمر والنهى والتعلم ، وهذا يدل أَن موسى أَصل فى النبوة لهارون قوة وسبقاً لأَنه أَضاف القوم لنفسه ، وجعل هارون E تبعاً له .