تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

21

الجزء ٤ · صفحة ٣١٨

« اتقوا فراسة المؤْمن فإٍنه بنور الله يبصر » كذلك قيل فى تعريف الفراسة وهو غير جامع ، فإِن الفراسة لا تختص بالمؤْمن ، كما أَن العزيز إِذ ذاك غير مؤْمن فالأَولى أَن الفراسة هى التفطن الغامض؛ فالفراسة خاطر ينشأُ من قوة الفهم ، وسأَله مالك بن ذعر بعد ما باعه من أَنت وابن من أَنت فأَخبره ، فقال : لو علمت لم أَبعك ، فسأَله الدعاءَ فدعا له بالبركة فحملت امرأَته اثنى عشر بطنا فى كل بطن غلامان ﴿ وَكّذَلِكَ ﴾ كما مكنا محبته فى قلب العزيز بحيث لا يصبر عنه ، أَو كما مكنا له فى منزل العزيز بمعنى جعلنا له مأْوى كريما فى منزل العزيز ، أَو كما أَنجيناه من كربة الجب وعطفنا عليه قلب العزيز ﴿ مَكَّنَا لِيُوسَُفَ ﴾ وإِنما لم يق لمكنا له لأَنه لم يذكر يوسف فى قوله : وكذلك ﴿ فِى الأَرْضِ ﴾ جعلنا له فى سائر الأَرض مكان قبول ووجاهة وملك وتصرف ﴿ وَلِنَعَلِّمَهُ ﴾ عطف على محذوف أَى ليتصرف فيه بالعدل ، ولنعلمه ولنملكه ، أَو فعلنا لنعلمه ﴿ مِنْ تَأْوِيِل الأَحَادِيثِ ﴾ والواضح أَن اللام للعاقبة ، أَو يقدر أَصبنا يوسف بتلك المصائب لنعلمه؛ أَى لنثيبه عليها بالتعليم ، أَو تجعل الكاف للتعليل والإِشارة لما أُصيب به يوسف ، أَى مكنا له فى الأَرض لكذلك الذى أصابه ، وأَصابه ذلك لنعلمه ، وأَما ما مر من جعل التعليم علة للتمكين فلا يظهر تقديم التمكين معلولا للتعليم بعده ، والمراد تأْويل الرؤْيا أًو تفسير ما أَدركه من كتب الله وكلام الأَنبياءِ قبله ، وليس المراد بمن القلة بل المراد تعلمه جملا من التأْويل ، ولو كان « من » للتبعيض وليعلم من تأْويل الأًحاديث ، ولما كان العلم لازما للتعليم ومسببا له عبر عنه بالتعليم ، فبعلمه يدير مصالح العامة والخاصة بالعدل ، ومن ذلك تفسيره الرؤيا بسبع سنين القحط ﴿ وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ﴾ على أَمر الله لا يمنعه عنه شىءٌ ولا ينازعه فيه أَحد وذلك على الإِطلاق ، وشمل أَمر يوسف ، أَو المراد لا يرده أَحد عما شاءَ فى شأْن يوسف من إٍعلاءِ منصبه حتى كان سعى إِخوته فى كيده سعيا فى علو شأْنه ، وعلى هذا فالهاءُ الله أَو ليوسف ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أَن الله غالب على أَمره لا شىءَ منه لأَحد ، فيتوهمون وقوع ما لم يرد وقوعه كالمشركين والمعتزلة ، أَو يقتصرون على ما يظهر لهم فيقصدونه ولا يعلمون ما يتولد منه وما يصرفه الله إليه ، وقليل من الناس علم ذلك ، وقيل أًكثر الناس المشركون ، وقيل أَهل مكة ، وقيل أَهل مصر ، وقيل قصد بالأَكثر الكل لكن على معنى أَنه لا يطلع أَحد على الغيب .

١٬٨١٨ / ٦٬٠٩٣