100
الجزء ٤ · صفحة ٣٩٠أَو ضمن معنى لطف ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ أَى الطف بهما ، وذكر بعض أَن الإِحسان يتعدى بالباءِ بلا تأْويل وهى للإلصاق ﴿ الله لطيف بعباده ﴾ أَو بمعنى وقد أَحسن فى ، أَى جعل الخير فى ، وقدر بعض أَحسن صنعه بى ﴿ إِذْ أَخْرَجَنِى مِن السِّجْنِ ﴾ لم يقل إِذ أَخرجنى من الجب لأَن الأَصعب الإِلقاءُ فى البئْر ، ومقابله الإِدخال فى السجن ، وليس الكلام فى الإِلقاءِ والإِدخال بل فى اللبث ، ولا شك أَن اللبث فى السجن أَشد من اللبث فى البئر لطول مدته ومعاشرة السفهاءِ فيه والمشركين ، بخلاف مدة اللبث فى البئْر فإٍنها قصرة ومعاشرة فيها جبريل وغيره من الملائِ : ة ، وأَيضاً الإِخراج من السجن سبب للملك المتوصل هو به إلى الدعاءِ إِلى الدين ، وإِنقاذ النفوس من الهلاك بالجوع ، وأَيضاً هو إِزالة للتهمة فى شأْن امرأَة العزيز وآل به إِلى إِظهار حريته ، ولو قال : أَخرجنى من الجب لخجلوا بذكر الجب مع أَنه قد قال : ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ إِلأخ ﴿ وَجَاءَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ ﴾ البادية وهم قرويون لكن كانوا فى مواشيهم فى البادية وجاءَ بهم منها ، وقيل : كان يعقوب من أَهل البدو فإِن صح فإِنما تحول إِليها من القرية بعد التبليغ إِذ لم يبعث نبى من البدو ، وله مسجد تحت جبل باديته ﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ ﴾ أَفسد ﴿ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وبَيْنَ إِخْوَتِى ﴾ لم يزل يستر عليهم إِذ عبر بعبارة لا تفصح أَنهم الظالمون بل بعبارة تقبل أَن يكون ظالما أَو هم ظالمين ﴿ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِما يَشَاءُ ﴾ مدبر لما يشاءُ من أَحوال خلقه من حيث لا يعلمون ، ولا يعجز الله شىءٌ ، وهو خالق الأَرباب ومسهل الصعاب ﴿ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ ﴾ بخلقه وأَحوالهم ومصالحهم ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ الفاعل للشىءِ فى وقته ومكانه وكمه وكيفه ، ومن حكمته تفريقة بين يوسف ويعقوب أَربعين عاما أَو سبعين أَو ثمانين أَو ثمانية عشر أَو اثنين وعشرين أَو ستا وثلاثين أَو خمساً وثلاثين ، وأَقام معه قبل الفرقة سبعة عشر وأَقام عنده أَبوه بعد الاجتماع أَربعة وعشرين أو سبعة عشر ، ويقال عمره حين أَلقى فى الجب سبع عشرة سنة ، وأَقام فى العبودية والسجن والملك ثمانين سنة ، وأَقام مع أَبيه وإِخوته وأَقاربه بعد الاجتماع ثلاثا وعشرين ، وتوفى وهو ابن مائَة وعشرين ، ويروى أَنه طاف بيعقوب على خزائِنه فرأَى خزانة القراطيس ، فقال : ما أَعقد عندك هذه القراطيس ، ولم تكتب إلى على ثمان مراحل ، قال : منعنى جبريل ، فقال : هلا سأَلته لمه؟ فقال : أَنت أَبسط إِليه منى ، فسأَله يعقوب فقال : لقولك إِنى أَخاف أَن يأكله الذئب ، ذكرت الذئْب دون الله ، ولما احتضر يعقوب أَوصى يوسف أَن يدفنه عند أَبيه إِسحاق فى الأَرض المقدسة ، فمضى به فى تابوت من ساج فوافق وصوله موت عيص أَخى يعقوب فدفنا فى قبر واحد كما ولدا فى وقت واحد من بطن واحد وعمرهما مائة وسبعة وأَربعون ، ورجع إِلى مصر وعاش بعد ثلاثا وعشرين ، وقد تم له الأَمر المر والحلو واستشعر أَنه لا بد من الموت فسأَل الله الرحمن الموت على الإِسلام واللحوق بأَهل النعيم الدائِم كما قال تعالى :