100
الجزء ٤ · صفحة ٣٩١﴿ رَبِّ ﴾ يا رب ﴿ قَدْ آتَيْتَنِى مِنَ الْمَلْكِ ﴾ بعض الملك ، وهو مُلك مصر ، أَو قد آتينى من الملك ملكاً عظيماً ، والمصود بالذات توفنى مسلماً وأَلحقنى بالصالحين ، ولكن قدم الثناءَ على الله والشكر على النعم السابقة توسلا بها إِلى اللاحقة ﴿ وَعلَّمْتَنِى مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ ﴾ تفسير المرائِى أَو الكتب ﴿ فَاطِرَ السَّمَواتِ وَألأَرْضِ ﴾ صفة لرب أَو نداءَ آخر يا فاطر السموات والأَرض ﴿ أَنْتَ وَلِيَّى ﴾ متولى أُمورى وناصرى ﴿ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ﴾ تعاملنى فيهما بالنعم وإِزالة النقم ﴿ تَوَفَّنِى ﴾ أَمِتْنِى ﴿ مُسْلِماً ﴾ إِذا جاءَ أَجلى ، فهذا طلب لأَن يكون موته على الإِيلام لا طلب للموت ، قال الحسن : عاش بعد هذا الدعاءِ سنين كثيرة ، أَو توفنى الآن ، روى أَنه لم يتم الأَسبوع ، قال قتادة : لم يسأَل نبى الموت إلا يوسف ، وفى رواية عنه : لم يتمن نبى قبله الموت ، وكثير من المفسدين على هذا القول من طلب الموت فى حين لكن تمنيه الموت بعد تخيير الله له لقول عائشة رضى الله عنها عن رسول الله A : « لم يقبض نبى حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير » ، قاله ابن مالك فى شرح المشارق عند قوله A : « إن الله خير عبده بين الدنيا وبين ما عنده » ، والحديث فى البخارى ومسلم ، وعنه A : « لا يتمنين أَحدكم الموت لضر نزل به » قيل هو نهى تنزيه ، وفى الحديث لكن يقول : « اللهم أَحينى ما كانت الحياة خيرا لى » ، وطلب الوفاة على الإِسلام مع علمه أَن كل نبى لا يموت إِلا كذلك ذهولا أَو إِظهارا للعبودية ورغبة وتعليماً للغير وانفساحاً للقلب وانشراحا واطمئنانا ﴿ وَأَلْحَقْنِى بالصَّالِحِينَ ﴾ إِبراهيم وإسحق ويعقوب وإسماعيل فى درجاتهم لا فى تدرحة الصلاح فإنه فوقها ، وهى أولى درجات المؤمن فتوفاه الله مسلماً وألحقه بهم ، وتخاصم أهل مصر فى مدفنه حتى همو بالقتال ، فاتفقوا أَن يدفن فى أعلى النيل من جهة الصعيد حتى تجرى عليهم بركته كلهم ، وجعلوه فى صندوق من رخام لا من حجر الزند ، وحمله موسى إلى الشام حين خرج من مصر وعمره مائَة وعشرون سنة ، وولد له من راعيل إفرايم وميشا جد يوشع ورحمة امرأة أيوب ، ويروى أنه جعل فى تابوت من رخام ودفن فى أَيمن النيل فأَخصب وأجدب الأيسر ، ثم دفن فى الأيسر وهو الشرقية فأَخصب وأَجدب الأيمن فدفنوه فى وسطه بالسلسة فأخصب الجانبان ، ولما أمر الله تعالى موسى عليه السلام بالخروج من مصر إلى الأرض المقدسة أظلمت الدنيا فأوحى الله إليه أن احمل معك يوسف ، ولم يكن علم بقبره عند أحد إلا عند عجوز ، فشرطت أن تكون لموسى زوجا فى الجنة ، فتوقف موسى فأوحى الله - D - إليه أَن قل نعم ، فأخبرته أنه فى موضع كذا من النيل فى وسطه ، وروى أنها بنت من ذرية يعقوب وأنها شرطت عليه أيضاً أَن تثبت كما شبت فدعا فكانت كلما بلغت خمسين صارت بنت ثلاثين ، وعاشت ألفا وستمائة ، فحمله موسى فى تابوته ودفنه فى الأرض المقدسة .