تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

65

الجزء ٥ · صفحة ٤٠١

« إن روح القدس نفث فى روعى أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاقتوا الله وأجملوا فى الطلب » والإلهام من هذا ، وملك الإلهام للأنبياء وغيرهم ، أو بتعليم الله بلا واسطة ، بل يلقى فى قلبه .

وعلم الخضر بإيحاء الله على لسان الملَك ، أو بإشارة الملَك من الله دون نطق ، والأول هو الوحى الظاهر ، و الثانى يسمى فثا أو بالإلهام ، وقيل : الإلهام من الثانى ، وله ملك يسمى ملك الإلهام ، ولا يختص بالأنبياء ، وكل ذلك غير علم الحروف .

ويجوز تعاطى غير الوحى مما لا يخالف الشرع . وقد ندم ابن عباس عن تركه علم التنجيم الذى لا يخالف الشرع ، وقال : إن الناس عطلونى بالمنع عنه ، وكأنه قيل : ما جرى بينهما؟ فقال الله D :

﴿ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ ﴾ إلخ استفهم مع أن الله D أرسله إليه للتعلم ، بل طلب التعلم منه ، فأجابه ولم يقل له اجبره ، فجرى على سنن مريد التعلم من الطلب والخضوع ، أى هل تبيح لى أن أتبعك .

﴿ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْت رُشْدًا ﴾ قال الأصوليون : تأتى على للشرط كما هنا ، قيل : وفى قوله تعالى : ﴿ يبايعنك على أن لا يشركن ﴾ وفى قوله : ﴿ على أن تأجرنى ﴾ وهو حقيقة عند الفقهاء ، وتردد السبكى فى وقوعه فى كلام العرب . والصحيح وقوعه .

قيل : ولم يذكره النحاة ، وهو فى آية السورة قلت : هو داخل فى الاستعلاء المجازى ، وليس معنى حقيقيا لها ، وزعم السرخسى أنه حقيقة ، وليس كذلك ، كأنه قيل : هل أتبعك بانياً على أن تعلمنى مما علمت رشداً ، أى علماً ذا رشد . وهو إصابة الخير ، وهو مفعول ثان ، وثانى علمت محذوف أى علمته .

ويجوز أن يكون الثانى محذوفًا منعوتًا بقوله مما علمت ، أى بعضًا مما علمت فرشداً بدل من البعض أو مفعول مطلق لمحذوف مستأنف أى أرشد رشداً أو مفعول لأجله لأتبعك أى لأكون رشيداً أو التعلم بمعنى الإرشاد ، ولا إشكال في تعلم موسى مع كثرة علمه بالتوراة وغيرها من الخضر الذى هو دونه ، لأن أعلم الناس مَن يجمع علم غيره إليه ، ولاختلاف العِلْمين .

روى البخارى ومسلم والترمذى والنسائى ، عن ابن عباس عن رسول الله A ، « أن الخضر قال : يا موسى إنى على علم من الله تعالى علَّمنيه لا تعلمه أنت وأنت على علم من الله تعالى علَّمكه الله سبحانه لا أعلمه » ومعنى قوله تعالى : لى عبد أعلم منك ، أن الخضر أعلم من موسى بعلم الحقيقة ، ولموسى علم بعض الحقيقة ، كما أن للخضر ما يكتفى به من علم المشريعة .

قال السيوطى : ما جمعت الشريعة والحقيقة إلا لنبينا صلى الله عليه السلام ، ولم يكن للأنبياء إلا أحدهما على معنى ما جمعت على الوجه الأكمل إلا له A ، ولا يخفى تبليغه الشريعة ، وأما تبليغه الحقيقة فقد يكون منه لبعض المستعدين ، تأمل .

ويظهر لى وجه آخر وهو أن المراد يكون الخضر أعلم ، أن علم الحقيقة أدخل فى حقيقة العلم من غيره ، فيتم الكلام ، ولو لم يكن لموسى شئ من علم الحقيقة ألبتة .

٢٬٤٠١ / ٦٬٠٩٣