تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

77

الجزء ٥ · صفحة ٤١٢

﴿ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ ﴾ تلمسان وأهلها أشحاء إِلى الآن ، وقيل : قرية فى الجزيرة الخضراء من أندلس ، روى القولين بعض المشارقة ، ولعل المراد أنها قرية فى أرض هذه العدوة ، تقابل الجزيرة الخضراء من عدوة أندلس ، وقال الجمهور : القرية أنطاكية وهو مروى عن ابن عباس رضى الله عنهما .

وروى ابن أبى حاتم من طريق قتادة أنها برقة ، وهى على المشهور فى المغرب الأدنى إِلى المشرق ، وقيل : قرية بأرض الروم ، وأخرج ابن أبى حاتم ، وابن مردويه أنها باجروان ، فاختار بعض أنها بنواحى أرمينية .

وأخرج ابن أبى حاتم ، عن محمد بن سيرين : أنها أبلة بشد اللام ، وقيل : ناصرة على الساحل ، تنسب إليها النصارى ، ولا يوثق بشئ من ذلك ، قال رسول الله A : « أتيا أَهل قرية لثامًا » .

﴿ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا ﴾ نعت قرية ، وجواب إِذا : ﴿ قال لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ وقال أبو البقاء وغيره : جواب إذا هو قوله : ﴿ استطعما ﴾ وقوله : ﴿ قال لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ مستأنف ، والمختار أنه نعت ، وجواب إذا ﴿ قال لو شئت ﴾ إلخ ولم يقل استضافا لأنهما أرادا مطلق الإِطعام ، وبما أمكن لا خصوص الإضافة ، والميل إلى بيت أحد .

ورأيت منذ خمسين عامًا فى زمان الشبيبة أبياتًا للصلاح الصفدى يسأل فيها السبكى ، وهى فى شرح الدمامينى على المغنى ، الذى ألفه فى الهند الذى يقول فيه : قال أقول أبياتًا فى السؤال عن تكريم ذكر أهل إذ لم يقل فانطلقا حتى إِذا أتيا أهل قرية استعطعماهم ونصها :

أسيدنا قاضى القضاة ومَن إِذا … بدا وجهه استحى له القمران

ومَن كفُّه يوم النَّدَى ويراعه … على طِرسه بحران يلتقيان

ومَن إن دجت فى المشكلات مسائل … جلاها بفكر دائم اللمعان

رأيت كتاب الله أفضل معجز … لا فضل مَن يهدى به الثقلان

ومن جملة الإعجاز كون اختصاره … بإيجاز ألفاظ وبسط معان

ولكننى فى الكهف أبصرت آية … بها الفِكر فى طول الزَّمان عنانى

وما هى إلا استعمعا أهلها فقد … ترى استطعماهم مثله ببيان

فما الْحِكْمة الغرَّاء فى وضع ظاهر … مكان ضمير إن ذاك لشانى

فأرشد على عادات فضلك حيرتى … فما لى لها عند البيان يدان

فأجابه السبكى : بأن استطعما أهلها نعت لقرية لا جواب لإذا ، لأن كونه جوابًا لإذا يوهم أن قصدهما كله أو معظمه الأكل ، وليس كذلك بل قصدهما كله إظهار عجائب إعظاما لله D ، ولا نعت لأهل لأنه يوهم أن القصد بيان حال الأهل ، من حيث هم هم ، ولا يكون للقرية أثر فى ذلك ، وليس كذلك فإنا نجد بقية الكلام مشيراً إليها نفسها .

قلت : فى هذا التعليل نظر ، لأن أهلها جرى لهم ذكر فى قوله : ﴿ استطعما أهلها ﴾ ، وفى قوله : ﴿ أبوا أن يضيِّفوهما ﴾ بل وفى قوله : ﴿ لاتخذت عليه أجراً ﴾ لأن أخذ الأجر عنهم لا عن قريتهم ولا فرق بين جريان الذكر للقرية ، ولهم فى أن ذكر إحداهما بالذات ، والأخرى بالعرض ، وأجاز الأوجه الثلاثة ، واختار نعت القرية ، وأجاز كون الأهل الثانى غير الأول ، أو بعضا من الأول ، وبعضا من غيره فكان الأظهر فإن من أتى قرية يلتقى أولا ببعضهم ، ثم بالبعض الآخر ، فقد تشير الآية إِلى أنهما استقصياهم أو جلهم فأبوا ، وللبقاع تأثير فى الطباع .

٢٬٤١٢ / ٦٬٠٩٣