تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

86

الجزء ٥ · صفحة ٤٢٧

﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ﴾ منتهى الأرض من جهة المغرب ، ساحل البحر المحيط الغربى ، وفيه الجزائر الخالدات ينبت فيها الزعفران وغيره بلا حرث ، ومنها يؤخذ الأطوال والأغراض ، وهل المغرب أفضل من المشرق ، ولذلك ابتدأ به ذو القرنين ، ولقربه منه ، ولحركته الشمسية ، وذلك قول المغاربة ، وقال المشارقة : المشرق أفضل .

قال السيوطى : لا قطع بتفضيل إِحدى الجهتين على الأخرى لتعارض الأدلة ، والخلاف فى غير مكة والمدينة ، وبيت المقدس ، فالثلاثة أفضل إجماعا .

﴿ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ ذات حمأة ، وهى الطين الأسود . يقال : حمئت البئر تحمأ إذا كثرت حمأتها . سأل معاوية كعب الأحبار : أين تجد الشمس تغرب فى التوراة ، فقال : سل أهل العزيمة ، فإنهم أعلم بها ، وأما أنا فإنى أجدها تغرب فى التوراة فى ماء وطين ، وأشار بيده نحو المغرب ، فقال ابن حاضر : عندى ما يؤدى ، فقال ابن عباس : ما هو؟ قال : قول تبع فى ذى القرنين :

فرأى مغرب الشمس عند غروبها … فى عين ذى خلب وتلط حرمد

قال ابن عباس : ما الخلب؟ قال : الطين ، قال : فما القلط؟ قال : الحمأة ، قال : ما الحرمد؟ قال : الأسود ، فأحضر ابن عباس غلامًا يكتب ذلك ، ومعنى غروبها فى عين حمئة أَنها عندها فى رأى العين ، أو تغرب فيها بالتوهم ، كما ترى تطلع من البحر أو الأرض ، وتغرب فى أحدهما ، والعين الحمئة : البحر ، فإنه عند الله كالقطرة ، وزعم بعض أنها تغرب من الماء شتاء فى الليل ، فيكون سخنًا لطول الليل ، بخلاف ليل الصيف ، والحق أنها لا تزال فى السماء تغيب عن موضع ، وتطلع على موضع .

ومعنى سجودها عند العرش فى الحديث : سجودها وهى جارية فى موضع مخصوص ، تحت موضع مخصوص من العرش ، لأن العرش محيط بالأرض كلها ، وهى أبداً تحته ، أو شبه غاية انحطاطها كل ليلة بالسجود ، وذلك الانحطاط هو مستقرها ، ولا يصح ما قيل : إنها تسجد تحت العرش فوق السموات السبع ، تسرع سرعة الملائكة ، وترجع إلى موضعها فى وقت الفجر ، لأن العيان ينكر ذلك ، ومعاينة شأنها صريح فى بطلان ذلك كما يأتى قريبًا بعض ذلك ، بل الخليل رصدها فى منارة الإسكندرية ، فرأى الشفق الأبيض ينتقل من حيث غربت ، من موضع إلى موضع فى المغرب ، والشمال والمشرق ، حتى طلعت من المشرق ، والله قادر .

ومعنى مسيرها تحت الأرض : أن الأرض حالت بينها وبين أصحاب كل ليل ، وسترتها وهى أكبر من الأرض بأضعاف فيما قيل ، وفى بعض الآفاق تبقى الشمس ظاهرة ستة أشهر ، وتغرب عنها ستة أشهر ، كما فى أُمتى عرض تسعين ، وتغيب مقدار ساعة ، ويظهر نورها من قبل المشرق فى بعض العروض ، كما فى بلغار . وذكر ابن عساكر أنه A قال :

٢٬٤٢٧ / ٦٬٠٩٣