تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

50

الجزء ٥ · صفحة ٣٨٢

﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ﴾ كلهم ، وقيل : ملائكة الأرض ، وقيل : الملائكة غير المهمين ﴿ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا ﴾ كلهم ﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ السجود لآدم خضوع له وتعظيم ، أو كسجود الصلاة لله تعالى ، لكن لى جهة آدم وهو قبلة لهم ، وفيه تعظيم له أيضا ، واستثناء إبليس متصل ، لأنه قيل إما ملك خلق من نار ، ثم نسخ إلى صورته الجِنِّيَّة ، وعَقَب ، ولو نسخ بخلاف سائر ما نسخ فإنه لا يعقب ، بل يخلق الله D مثله ، وهذا القول ضعيف ، وإما لأنه ولو لم يكن منهم إلا أنه نشأ فيهم ، وكساه كسوتهم كأنه واحد منهم ، وهو أول الجن وأبوهم ، وقيل : كان الجن قبله وولد منهم ، عصوا الله بعد العبادة ، فأمر الله الملائكة فقاتلوهم وطردوهم إلى البحور والشعاب ، وقيل : أهلكهم الله تعالى كلهم وبقى بعدهم ينسل كأولاد نوح ، وسبوه صغيراً إلى السماء فتعبّد فيهم ، وكان رئيسهم لاجتهاده فى العبادة أكثر منهم ، وما ترك موضع شبر فى السموات والأرض إلا سجد فيه .

والواضح أن الاستثناء منقطع ، وكررت قصة أمره بالسجود لآدم فى مواضع بحسب ما يناسب كل موضع ، فهنا ذكر ليشير غلى أن صاحب الجنتين متبع لإبليس فى تكبُّره وكفره ورغبته فى الدنيا ، وأن صاحبه المؤمن مبتع لآدم والملائكة فى طاعة الله ، والاتضاع والزهد ، وهكذا سائر ما يكرر فى القرآن ، وفى تكرير قصة السجود تذكير لنا بعدونا القديم لئلا نغفل ، والملائكة كلهم معصومون ، وزعم بعض أن ملائكة الأرض غير معصومين ، وأن إبليس منهم .

﴿ كَانَ مِنَ الجِنِّ ﴾ حال بإضمار قد ، أو استئناف لبيان أنه ليس من الملائكة ، وأنه لو كان منهم لم يعص ، لأنهم معصومون ، وقيل : الجن نوع من الملائكة يمكن منهم العصيان ، وهو قول باطل ، وزعم بعض أن الجن فى الآية ملائكة يصوغون الحلى لأهل الجنة .

﴿ فَفَسَقَ ﴾ بسبب كونه من الجن ، لأن العطف على كان إلخ وقيل : الفاء تعليل لقوله إلا إبليس ، وعندى يجوز كون الفاء سببية ولو بلا عطف وإباؤه من السجود يعتبر سببًا لاتصافه باسم الفسق ، أو هو سبب لسراير فسقه بعد .

﴿ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴾ خرج عنه لأنه غير ملَك كما يمضى الأدمى ، وكما يعصى الجن ، بل يعصى جلهم ، وأمر بالسجود فى جملة الملائكة فلم يسجد ، وأمر الملائكة ونهيهم أمر له ، ونهى له ، إذ كان مغموراً فيهم ، وعن للمجاوزة على أصلها ، لأن المعنى مائل عن أمر ربه ، ومعرض عنه ، ولا حاجة إلى جعلها سببية ، وإلى أن الأمر بمعنى المشيئة ، لأن المشيئة لله لا تتخلف ، وكذا إرادته ، والتحقيق أنه تخلف عما أمر به ، وعصى أمر ربه بمعنى ما أمر به من السجود .

نعم يجوز على خلاف الأصل أنها سببية ، وأن مشيئته التى فسرنا بها أمر ربه مشيئته التى بمعنى الفضاء ، وهى التى ذكرت أنها لا تتخلف ، أى فسق بسبب قضاء الله D عليها بالخذلان .

٢٬٣٨٢ / ٦٬٠٩٣