تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

54

الجزء ٥ · صفحة ٣٨٧

﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا ﴾ كررنا أو بيَّنا ﴿ فِى هذَا الْقُرْآنِ ﴾ أى فى هذا الكتاب المقروء ، لأن اسم الإشارة ينعت باسم الجنس ، ولو جعلناه علمًا على هذا الكتاب كان بدلا أو بيانًا ، ولم يجز أن يكون نعتًا .

﴿ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ﴾ من كل جنس يحتاجون إليه ، ومفعول صرفنا محذوف منعوت بقوله : ﴿ من كل مثل ﴾ أى نوعًا ثابتًا من كل مثل ، ولا نقدر معنى ثابتًا من كل مثل ، لأن لفظ المعنى لا يستعمله العرب كما تستعمله ، وذلك كما يقال : العرب لا تعرف المعنى ، ومَن أجاز زيادة من فى الإثبات أجاز كل كون مفعولا لصرفنا ، والمثل فى العرف كلام شبه مضربه بمورده ، أى المعنى الذى رد فيه أولا ، والمضرب ما يشبه بذلك الوارد أولا ، ويستعمل مجازاً بمعنى ما يستغرب ، كما شبه الله D تقرير دلائل الوحدانية والنبوة ، والبعث والوعد والوعيد ، والقصص بالمثل السائر لأنها أمور مهمة يحتاج إليها .

﴿ وَكَانَ الإِنْسَانُ ﴾ الجنس ، وقيل : النضر بن الحارث ، وقيل : ابن الزِّبَعْرى ، وقيل : أُبَىّ بن خلف لعنه الله ، أتى بعظم رمَّ وفقه بيده وقال : أيقدر الله تعالى على بعث هذا ، يدل على الجنس ما فى البخارى عن علىّ ، أن رسول الله A جاءه وفاطمة ليلا فقال : « ألا تصليان؟ » فقلت : يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله تعالى إن شاء أن يبعثنا ، فانصرف وضرب فخذه وقال : « وكان الإنسان أكثر شئ جدلا » .

قلت : كأنه A يريد منه أن يقول : قصرنا يا رسول أو ادع الله لنا أو نحو ذلك ، وذلك هو المتبادر ، ومن الجائز على بعد أن يمثل بالآية لهما ، مع أنها فى نحو أُبَىّ حاشاهما عنه ، فيكون ذكرها تعجبًا من سرعة جوابه لا تشبيها له به حاشاه ، فلعله عذره فى هذا الجواب .

﴿ أَكْثَرَ شَىْءٍ ﴾ يمكن منه الجدل ﴿ جَدَلاً ﴾ تمييز أى جدله أكثر من كل شئ سواه ، كما يقال تمييز اسم التفضيل محول عن المبتدأ ، وقولك : زيد أفضل منك أبًا ، بمعنى أبو زيد أفضل من أبيك ، ومن جدال الإنسان بالباطل ، قوله للأنبياء : ﴿ ما أنتم إلا بشر مثلنا ﴾ وقوله : ﴿ ما أنزل الله على بشر من شئ ﴾ ومن ذلك قوله فى الناسخ والمنسوخ والمتشابه ، بما لا يجوز أن يقال ، وقوه بقِدم القرآن ولو قبل الحق لامتلأ نوراً ، واسم التفضيل المضاف إلى النكرة يكون موصوفه داخلا فى معناها ، فالإنسان داخل فى جملة الأشياء المجادلة .

والجدال شدة الخصام بحق أو باطل ، ولا تختص بالباطل ، بل كثر استعمالها فيه ، وهى من الإلقاء على الجدالة أى الأرض بالشدة ، ويقال : المجادلة المقاتلة فى الأصل ، وقيل : الملاواة ، فكل خصم يلتوى على خصمه .

٢٬٣٨٧ / ٦٬٠٩٣