86
الجزء ٦ · صفحة ٢٥٤﴿ وأدْخلناهُم فى رحْمتِنا ﴾ وعلل هذا تعليلا جمليا بقوله : ﴿ إنهم من الصالحين ﴾ الكاملين فى الصلاح لعصمتهم من الذنوب .
﴿ وذا النُّون ﴾ صاحب الحوت يونس بن متى ، ومتى أبوه كما قال البخارى وغيره ، وصححه ابن حجر ، وكذا قالت اليهود ، إلا أنهم يسمونه يونه بن اميتاى ، وبعض يونان بن أماتى ، وكان فى زمان ملوك الطوائف من الفرسن ومعنى ملوك الطوائف تعدد الملوك ، كل على طائفة ، ولم يجمعهم عليهما السلام ، ويروى أن جبريل قال ليونس : أنذر أهل نيونى ، فقال التمس دابة ، فقال : الأمر أعجل من ذلك ، فغضب وانطلق الى السفينة ، ولعل هذا قبل النبوة ، ولم يعلم انه جبريل .
وعن وهب : أنه كان يونس عبداً صالحا فى خلق ضيق فلما تحمل أثقال النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل ، فتذفها من يده وهرب منها ، فأخرجه الله من اولى العزم من الرسل ، وقال : ﴿ اصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ﴾ وقال : ﴿ ولا تكن كصاحب الحوت ﴾ وعن ابن عباس : كانت رسالته بعد الخروج من بطن الحوت لقوله تعالى عقب ذكر خروجه من بطن الحوت : ﴿ وأرسلناه الى مائة الف أو يزيدون ﴾ وأجاز بعضهم الصغيرة قبل النبوة ، وقد قال الله D : ﴿ إن يونس لمن المرسلين* إذا أبق الى الفلك ﴾ فهو من المرسلين قبل الإباقة لا بعدها .
﴿ إذْ ذَهب ﴾ عن قومه ﴿ مغضبها ﴾ غضب عليهم غضبا شديداً لطول مكثه فيهم بالأمر والنهى ، فالمفاعلة هنا للمبالغة شبه غضبه وحده بالغضب الذى هو مقابل لغضبهم عليه لجامع الشدة ، ولا يقال هو على بابه من المفاعلة بين متعدد ، لأنهم أيضاً غضبا عليه ، إذ خافوا العذاب لذهابه بلا ايمان منهم ، لأنا نقول ليس الخوف غضباً اللهم إلا على طريق الشبه ، ولا يقال هذا مفاعلة بلا مقابل ، ولا مبالغة ، مثل سافرت ، لأنا نقول تحقق وجود سافرت فى ذلك ، ولم يتحقق وجود المغاضبة كذلك فى كلام آخر .
ويقال سبى ملك من فلسطين تسعة أسباط ، ونصفاً من قوم يونس ، وهو ساكن فيها فأوحى الله الى شعياء أن يأمر حزقيل الملك أن يوجه خمسة من الأنبياء لقتاله ، فأمر يونس فقال : هل أمرك الله بإخراجى ، أو سمانى؟ قال : لا ، قال : هنا أنبياء غيرى فالحوا عليه فخرج بلا إذن من الله D مغضباً له ، وركب سفينة فى بحر الروم ، وأشرفت على الغرق فى اللجة ، فقال الملاحون ، هنا عاص أو آبق ، ومن العادة أن نقترع فنلقى من وقعت عليه ، فغرق واحد أهو من غرق السفينة ومن فيها ، وخرجت على يونس ثلاثاً فقال : أنا العاصى الآبق ، فكلما أتى جانباً من السفينة وحد حوتاً فاغرا فاه ، فالقى نفسه ، فأوحى الله اليه أن لا تخدشيه فإنك سجنه ، وهذا على ظاهره ، أو بمعنى قضى الله D أن لا تخدشه .