تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

24

الجزء ٩ · صفحة ٧٢

﴿ قالَ ﴾ داود ﴿ لَقَد ظَلَمك ﴾ والله لقد ظلمك فى صورة كلامك أن أن تحققت وصدقت فيها ، وهذا حكم قبل كلام المدعى عليه وهو ضعيف ، وخلاف الأصل ولو شرط له التحقق والصدق ، كما رأيته مقدرا واذا صرنا الى التقدير ، ولا بد فلنقدر هكذا ، وأقر المدعى عليه أو نقدر ، قال : ما تقول أنت؟ فقال : صدق خصمى ، فقال داود : لقد ظلمك ﴿ بسؤال نعْجتك إلى نِعَاجه ﴾ لئن لم ترجع أيها المدعى عليه المقر ، لأكسرن الذى فيه عيناك ، فتبسما ولو يرهما ، أو رآهما صاعدين الى السماء ، وقيل : ضحك ، وقيل : قال خصم الرجل أى غلب أى داود ، فعلم أنهما ملكان ، وتمام ظنه أنه ابتلى بهما بعد تمام قوله : ﴿ وقليل ما هم ﴾ والسؤال الطلب ، وعدى بإلى لأنه جلب لنعجة الى نعاجه .

﴿ وإنّ كثيراً مَنَ الخُلَطاءِ ﴾ المختلطين بالشركة فى المال أو الملاحقة والجوار فيه ﴿ ليَبغى ﴾ يتعدى ﴿ بعْضُهم على بعْضٍ ﴾ يأخذ ما ليس له من مال خليطة كما ظلمك خصمك ظلما ، عظيما بينا ، لكل من علم به ، اذا أخذ نعجتك الواحدة وخلاك بلا نعجة ، وضمها الى نعاجة الكثيرة اعراضا عن حق الله وحق الخلطة ، وزاد داود التأكيد بالبيان اذ قال : وإن كثيرا الخ ﴿ إلا الَّذينَ آمنُوا وعَملوا الصالحات ﴾ استثناء متصل من الخلطاء ، وان كان من كثيرا فمنقطع ، لأن ما استثنى من الكثير هو القليل ، والقليل هو مفهوم الكثرة ، فلا يستثنى منه الذين آمنوا وقد حدوا على وجه ينقص .

﴿ وقليلٌ ﴾ خبر مقدم للحصر فى القلة ﴿ مَّا ﴾ حرف مزيد لتأكيد القلة ، أو مفعول مطلق للتأكيد ، أى قلة عظيمة ، وتفيد ما فى مثل ذلك التعجيب أو التعجب فيما قال بعض المحققين ﴿ هُم ﴾ مبتدأ ﴿ وظنَّ داوُد أنَّما فتنَّاه ﴾ ما أردنا بذلك الا فتنة ، ولو كان الحصر فى الهاء لقيل : انما فتنا اياه ، والفتن الابتلاء ، هل يعلم أنه المراد بذلك أو الابتلاء بما فعل حتى كانت قصة الخصامي؟ والمراد بالظن العام بدليل ما بعد ، واعلم أن انما بالكسر فى افادة الحصر ، والمعنى أردنا فتنته لا غيرها ولا تهم ،

﴿ فاسْتَغَفَر ربَّه ﴾ مما صدر منه شبيها بقصة الخصمين ﴿ وخَرَّ راكعاً ﴾ أسرع كأنه سقط ولم يملك امساك نفسه كالجماد الملقى ، والركوع الانحناء الموصل الى السجود ، فهو راكع ، أو لا ساجد ثانيا باتصال وانما يتم هذا لو كان قضاؤه بينهما حال قيامه ، أو قام بعد قضائه فظن أنه فتن ، والأولى أنه قضى قاعد وظن قاعد أنه فتن ، وأنه سمى السجود ركوعا لجامع الانحناء ، أو لأن الركوع سبب السجود من القائم الذى لا يتمالك الامساك ، ولأن مريدا لسجود من قيام لا بد له من الانحناء كالراكع ، والعرب تقول : نخلة راكعة ، ونخلة ساجدة ، ولو بمعنى مصليا ، وليس فى الآية ما يدل على أن داود فى الصلاة ، ولو جاء فى شرعنا صلاة ركعتين عند التوبة من الذنب ، ولا يغنى الركوع عن السجود فى الصلاة ، ولا فى سجود التلاوة لما رأيت من تأويل الآية ، ويروى أن رسول الله A قرأ سجدة فسجد ، فقال : « سجدها داود توبة ، ونسجدها شكرا » ﴿ وأناب ﴾ الى الله بالتوبة .

٤٬٠٧٢ / ٦٬٠٩٣