تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

3

الجزء ٩ · صفحة ١٣٤

والمعنى المعبودون الذين اتخضوهم ، أى اتخذهم المشركون العابدون أولياء ، إن الله يحكم بينهم بادخال المعبودين الجنة الملائكة وعيسى ، والعابدين والأصنام النار مختلفين برجاء الشفاعة ، وتبرىء المعبودين منهم ، ووجه البعد أنه لم يجر للمعبودين ذكر ، وأن ذلك مخالفة للظاهر فى الضمير ، وحذف الضمير وعدم تقدم اختلاف الملائكة وعيسى معهم بالخصام ، حتى يحكم بينهم ، وإنما ذلك للمؤمنين معهم فى النار .

﴿ إنَّ الله لا يَهْدى ﴾ الى ما ينجى من العذاب الى الجنة ، وهو الايمان والعمل ﴿ مَنْ هُو كاذِبٌ كفارٌ ﴾ راسخ بالذات فى الكفر مستعد له كما قال : ﴿ أعطى كل شىء خلقه ثم هدى ﴾ و ﴿ كل شاكلته ﴾ أو لا يهدى من سبقت فى علمه شقوته ، أو لا يهدى يوم القيامة الى الجنة من استمر على الكفر فى الدنيا ، والكذب على العموم كذب أهل الشرك بالاشراك ، وبالقول الملائكة بنات الله ، وغير لك من أنواع الشرك ، وعلى عموم المشركين ، وان قيل : المراد المشركون المتحدث فيهم ، فقوله : ﴿ من هو كاذب كفار ﴾ إظهار فى موضع الاضمار ، ليوصفوا بما أوجب هلاكهم ، وهوالرسوخ فى الكذب والكفر ، ويناسب ارادة الخصوص كعاصر وكنانة وبنى سلمة القائلين الملائكة بنات الله ومن يقول عيسى ابن الله سبحانه قوله تعالى :

﴿ لو أراد الله أنْ يتَّخذَ ولدا لاصْطَفى ممَّا يخْلقُ ما يَشاء ﴾ لو أراد الله اتخاذ أشياء عاقلة غاية فى الحب والتقريب ، حتى تسمى أولاده على سبيل المجاز فى التسمية ، لاختار ما يشاء هو ، ولا ينتظر أن يتخذ له المشركون ما يختارون له ، كالملائكة وعيسى ، ولو شاء لاختارهم أو غيرهم بالتسمية ، كما سمى آدم خليفة له ، وكذا الأنبياء ، وكما سمى السعداء أحباءه ، وكما سمى القدرة يدا ، وكما قال : ﴿ ما فى نفسك ﴾ أى عندك ونحو ذلك من المجاز ، ولكنه لا يريد ذلك ولو على التسمية والتحوز فقط ، مع أنها جائزة على المجاز ، وانما قلت : أشياء ، لأن الولد يطلق على الجمع وما دونه ، مع أن المشركين نسبوا اليه الجماعة ، ومنهم عيسى ، ولو اختص به الصنارى ، والله أعلم سبحانه ، عن كل ما لا يجوز فى حقه .

وإن فسرنا الوالدية الحقيقة على طريق النفى ، فالمعنى لو صح أن يريد الله اتخاذ الولد لم يجده ، لأن كل ما سواه مخلوق ، والمباينة بين الخالق والمخلوق تامة ، والولادة تنافى المباينة ، فلم تثبت ، صحة الارادة ، إذ لا يريد ما لا يمكن ، فيكون حاشاه عاجزا أو لفرضنا صحة ارادة اتخاذ الولد لانتقضت لتعلقها بالممتنع ، وهى الولادة المنافية للألوهية ، ولو فرضنا صحة الاتخاذ لامتنع الاتخاذ ، وجعل ﴿ لاصطفى ﴾ فى هذين الوجهين بدل الجوابين اللذين قدرت فيهما والولادة تسمية أو تحقيقا منتفية ، وأمكن الاصطفاء بلا ولادة ، وقد اصطفى الملائكة وعيسى عليهم السلام على غير الولادة .

٤٬١٣٤ / ٦٬٠٩٣