تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

67

الجزء ٩ · صفحة ١٩٧

﴿ وما قَدَرُوا الله حقَّ قدْره ﴾ ما أعطوه حق شأنه ، وهو القدر الذى يستحقه قاله المبرد بالمعنى كما تقول مقدار فلان ، ورتبة فلان ، ونصيب فلان ، الا أن الله سبحانه لا يوصف بالمقدار ، والارتبة والنصيب ، وليس قول المبرد خارجا عن قولك : ما عظموا الله حق عظمته ، وقولك : ما وصفوا الله حق وصفه ، وذلك أنهم طلبوا شركة آلهتهم بالعبادة بالمسح ، وقالوا : هو عاجز عن البعث ، وقالوا : خلق الخلق لا لحكمة ، ولا ليعبدوه وحده ، وهم قريش ، لأن الكلام فيهم ، وقيل : المراد اليهود اذ وصفوا الله بالجسم والأعضاء والحلول .

﴿ والأرْضُ جَميعاً ﴾ حال من المبتدأ على جوازه وعلى المنع يقدر له ناصب من جملة معترضة أى أثبتها جميعا ، فجميعاً حال من ضمير النصب فى أثبتها ، أو حال من ضمير فى نعت مقدر ، أى والأرض المعتبرة جميعا ، أو المقصودة جميعا ، أو حال من المستتر فى قبضته ، لأنه مصدر مراد به اسم المفعول ، أى مقبوضته ، ولا مانع من تقديم معموله ، لأنه ليس على معنى انحلاله الى الفعل ، وان المصدرية ، ولأنه بمعنى مفعول ، ويجوز أن يراد بالأرض الأرضون ، والاعراب واحد ، وجاء الأرضون فى الحديث تفسيرا لقبض الأرض ، فتعين التفسير بهن .

﴿ قبْضَتهُ ﴾ أى ذات قبضة له ، أو مقدرا الأرض قبضته ، أو بمعنى مقبوضة أى مطوية ، كما جاء فى الحديث ، ويجعل الله بدلها إذا طويت أرضا بيضاء خبزة فى حق المؤمن ، يأكل منها لا فى حق الكافر كذا قيل ، وذلك قبض طى واختلاف تحقيقا لقوله تعالى : ﴿ يَوْم القيامة ﴾ وفيه مع ذلك التصريح بقدرته ، وليس المراد بيان القدرة فقط ، وإلا لم يذكر يوم القيامة ، لأنه قادر قبل وبعد ، ويجوز أن يراد الملك ، وذكر اليوم لأنه وقت الهول ، مبعنى لاتصرف لأحد فيه كما قال : ﴿ الملك يؤمئذ لله ﴾ ﴿ والسَّموات مَطوياتٌ ﴾ تطوى وتفنى على حد ما مر فى الأرض ﴿ بيمينِه ﴾ بقدرته ، وقيل : بقسمه لأنه سبحانه وتعالى أقسم أن يفنيها ، وهو قول ضعيف ، والصواب أن الطى على ظاهره لا بيان لقدرته وملكه فقط ، دون طى حقيق ، ففى الطى الحقيق جرى على الظاهر ، واظهار للقدرة ، وذكر القبضة واليمين مراد بهما القدرة خطابا لنا بما نفهم ، لأن أفعالنا بالأيدى ، ولما كانت السموات أفضل من حيث اعتبار الوسع والعلو ، ذكرها باليمين لأنها أقوى فى العمل ، ولأنها المستعملة فيها يكرم ، وكأنه قال الأرض قبضته باليمين سبحانه عن صفات الخلق ، وطى السموات قبل طيه الأرض ففى مسلم عن ابن عمر قال : قال رسول الله A : « يطوى الله تعالى السموات يوم القيامة ، ثم يأخذهن بيده اليمنى ، ثم يقول : أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوى الأرضين بشماله ثم يقول : أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ »

٤٬١٩٧ / ٦٬٠٩٣