تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

37

الجزء ٩ · صفحة ٣٢٧

﴿ ومِنْ آياته ﴾ الدالة على وجوده ، وكمال قدرته ، وعظم شأنه ﴿ الليل والنهَّار ﴾ فى اختلافهما ظلمة ونورا ، وتعاقبهما على استمرار وايلاج كل فىلآخر ﴿ والشَّمس والقمر ﴾ فى استنارتها واختلافهما بقوة النور ، والعظم والآثار والحركات ، وكون القمر تابعا للشمس ، وهى أكبر منه جرها ونورا ، وكون نور القمر من نور الشمس ، وأصله أطلس ، بخلاف الشس ، فانها جرم مضىء بالذات كالنار ، وقيل : ضوؤها من نور العرش ، قابلته فأضاءت ، وأصلها طلساء ومن آياته أنهما يكسفان اذا أراد الله تعالى ، وأكثر ما يكسف القمر فى الليالى البيض .

وقد روى أنه سئل الحسن البصرى : لأى شىء يستحب صيام أيام البيض؟ فقال : لا أدرى ، فقال أعرابى : لكنى أدرى فقال الحسن : ما هو؟ فقال الأعرابى : ان القمر لا ينكسف الا فيهن ، فاحب الله لا يحدث فى السماء أمرا الا حدثت له فى الأرض عبادة ، وقدم الليل لتقدمه خلقة ، مع كون الظلمة عدما ، والعدم سابق على الوجود ، كذا قيل ، وفيه أن المتقدم ظلمة مستمرة لا مقدار مخصوص يسمى ليلا يليه نهار ، ودعوى هذا المقدار تحتاج لدليل ، وقدم الشمس ليتصل ذكرها بذكر النهار ، اذ حصل بها ، وأنها آيته ، ولأنها أهل لنور القمر ، وأعظم منه جرما ونورا .

﴿ ولا تَسْجُدوا للشَّمس ولا للقمر ﴾ لأنهما مثلكم مخلوقان عاجزان ﴿ واسْجُدوا لله الَّذى خَلقهنَّ ﴾ خلق الليل والنهار ، والشمس والقمر ، والليل والنهار لم يسجد لهما أحد ، كما سجد للشمس والقمر ، لكن لما كان لا علم لهما ، لا اختيار ، كما أن الشمس والقمر كذلك ، وكان أصلهما الشمس ، قرنهما فى النهى عن السجود مع الشمس والقمر ، وذكر بعض المحققين أنه قرنهما معهما ، ليدل على أنهما مثلهما فى أنه لا علم ولا اختيار ، وهو ضعيف ، لأنهما لا يتوهم فيها أحد أنهما عالمان مختاران ، لانهما معقولان لا حسيان ، كالشمس والقمر ، والاصل فى جمع القلة من غير العقلاء أن يرجع اليه ضمير المفرد المؤنث ، ويجوز ضمير جماعة الاناث ، كما هنا ، فان الأربعة كجمع القلة الذى هو بالأصالة لتسعة فأقل ، وقيل : لعشرة وأقل .

ولعل فى الآية اعتبار تعدد الليل والنهار ، وتعدد طلوع الشمس والقمر ، فكأنهما شموس وأقمار ، وذلك كثرة وقيل : الضمير للشمس والقمر ، وضمير الكثرة للتعدد بالاعتبار ، ووجه هذا اقول أن الليل والنهار لم يعبدها أحد ، بل عبدت الشمس والقمر ، وقيل : الضمير للآيات من قوله : ﴿ ومن آياته ﴾ ووجهه أن الشمس والقمر غير جمع ، فالأصل أن لا يرد اليهما ضمير الجمع ، ولا سيما ضمير الكثرة ﴿ إنْ كُنْتم إيَّاه ﴾ وحده لا غيره ، ولامع غيره قدم للحصر والفاصلة ﴿ تَعْبُدون ﴾ لأن السجود أقصى مراتب العبادة ، فيخص الله تعالى به ، وهنا يسجد على وابن مسعود والشافعى وعند يسأمون يسجد ابن عباس وابن عمر ، وأبو وائل وبكر بن عبد الله ، وابن وهب ومسروق ، والسلمى والنخعى ، وابن صالح ، وابن وثاب ، والحسن ، وابن سيرين ، وأبو حنيفة والشافعى فى رواية عنه ، وهو أصح الوجهين عنه عند الشافعى لأنه تمام المعنى على أسلوب السجود لأن الاستكبار عن السجود مذموم ، ولا يخفى أنه أحوط ، لأنه ان كان محله تعبدون لم يحضر الفصل القليل ، وان كانوا يسأمون لم يحز التقديم .

٤٬٣٢٧ / ٦٬٠٩٣