المكي والمدني من القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٨٨وسعادة الناس في الدنيا والآخرة تتوقف على معرفة هداية القرآن واتباعها وهي تتلخص فيما تقدم ذكره وتدل عليها الفاتحة دلالة أجمال أما التوحيد ففي قوله تعالى: (الحمد لله رب العالمين) لأن الحمد كثيرا ما يكون في مقابل نعمة والآية تشعر أن كل حمد وثناء محصوران في الله عز وجل وهذا يقتضي أن كل نعمة مصدرها الحق تعالى وتدخل في ذلك نعمة الخلق والإيجاد والتربية والتنمية والهداية والإرشاد ولم يكتف باستلزام اللفظ لهذا المعنى بل صرح به في قوله(رب العالمين ) فإن كلمة "رب " تؤمي إلى التربية والإنماء كما تدل على الملك والسيادة "والعالمون" جمع عالم والعالم كل ما كان علامة ودليلا على وجود الحق تعالى، وفي هذا تصريح بأن كل نعمة يجدها الإنسان في نفسه أو في الآفاق هي منه( عز وجل) إذ لا يتصرف في الوجود بالإعطاء والمنع ولا بالإشقاء والإسعاد، ولا بالإيحاء والإفناء إلا هو، والتوحيد أعظم ما بعث لأجله المرسلون وشرع بسببه الدين لذلك لك يكتف هنا بالإشارة إليه بل زاده إيضاحا بقوله(إياك نعبد وإياك نستعين) فاستأصل جذور الشرك وقضى على آثار الوثنية التي تفشت في الناس الذين كانوا يتخذون أولياء من دون الله يعتقدون أن لهم السلطة الغيبية ويدعونهم من دون الله في قضاء حوائجهم ودفع الضر عنهم، ويجعلونهم واسطة بينهم وبين الله يتقربون بهم إليه زلفى وكل ما في القرآن من آيات التوحيد ومقارعة المشركين هو تفصيل لما أجمل هنا وأما الوعد والوعيد فالأول منهما داخل في " بسم الله الرحمن الرحيم" لأن ذكر الرحمة في أول آية من الكتاب وعد بالإحسان إلى الخلق وقد تكرر ذلك مرة ثانية في الآية الثالثة للتنبيه على أن أمره بالتوحيد والعبادة من رحمته بنا لأنه يعود بالمصلحة والمنفعة علينا ويدخل الوعد والوعيد في قوله (مَالِكِ يَوْم الدِّين) لأن الدين الخضوع المطلق