جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

ج- أقوال الصحابة

الجزء ١ · صفحة ٣٠

تختلف عباراتهم باختلاف اعتباراتهم، ومثل ابن تيميه لذلك باختلافهم في تفسير الصراط المستقيم فمنهم من قال هو القرآن الكريم ومنهم من قال هو الإسلام وقال بعضهم هو السنة، وقال آخرون هو طريق العبودية لله سبحانه وروي عن بعضهم أنه اتباع أوامر الله تعالى، وهذا الاختلاف ليس جوهريا في ذاته فإن الإسلام وطريق العبودية لله واتباع أوامره أمور متفقة والقرآن والسنة، كل منهما مصدر لذلك كله، وقد يأتي الاختلاف نتيجة اختلاف ما يسبق إلى ذهن كل واحد من الصحابة من أفراد مدلولات ألفاظ القرآن، ومثل ابن تيميه لذلك بقوله تعالى"ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ" ( فاطر\32) فإن الظالم لنفسه هو الذي لا يتجنب المنهيات ولا يأتي المأمورات والمقتصد هو الذي يزيد على الواجبات من ضروب الطاعات، ولكن نظر كل واحد من الصحابة الذين فسروا الآية إلى بعض ما تتناوله ألفاظها فقال هو المراد منها، فمنهم من قال السابق هو الذي يؤدي الصلاة في أول وقتها والمقتصد هو الذي يؤديها في أي جزء من الوقت والظالم لنفسه هو الذي يؤخر الصلاة إلى وقت الاصفرار، ومنهم من قال إن الظالم لنفسه هو الذي يمنع الزكاة والمقتصد هو الذي يؤديها والسابق بالخيرات هو الذي يزيد عليها صدقات التطوع، فكل من هؤلاء وأولئك نظر إلى دخول ما ذكره من الأمثلة في مدلول هذه الكلمات على أني أرى أن ما يحكى عن كل منهم من أمثال هذه الأقوال لا يبعد أن يكون مصدره اعتبار المقامات التي حصلت فيها إجاباتهم عن معاني هذه الكلمات القرآنية فلعل السائل أو السامع في بعض المواقف يكون أجدر بأن يحض على الصلاة ويذكر مغبة تهاونه بها لعرف عنه من التهاون بأدائها وقد يكون أجدر بأن يذكر بالزكاة لذات السبب نفسه.

وقد يأتي الاختلاف أحيانا بين الصحابة فمن بعدهم

٢٤ / ١٬٢٢٠