جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

صاحب المنار يتحرر من التقليد

الجزء ٢ · صفحة ٢٧

بناء الدين عبادته وغيرها على أساس اليسر ورفع الحرج والعسر، كما علل سبحانه رخصة الفطر في رمضان بقوله: ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر..)(19)،ومثله تعليل رخصة التيمم برفع الحرج كما في سورة المائدة، وهذه القاعدة أوسع مما قبلها، لأن هذه في ترك الواجب إلى بدل عاجل أو آجل، وتلك في استباحة المحرم ولو مؤقتا، فإن ترك الواجبات أهون من فعل المنهيات، لقوله صلى الله عليه وسلم " فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه"، وسبب هذا أن الترك أهون على غير المضطر من الفعل لأن الأصل عدمه.

القاعدة السابعة عشرة: عدم تكليف مالا يطاق، وهذه أصل للتين قبلها والنص فيها قوله تعالى في آخر آية من السورة: ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها..)(20)، ووسع الإنسان مالا حرج فيه عليه ولا عسر، لأنه ضد الضيق، ولهذا كانت هذه أوسع مما قبلها وأصلا لهما، فالله لم يكلفنا في دينه وشرعه مالا طاقة لنا به، ولا يدخل في وسعنا امتثاله بغير عسر ولا حرج، فإذا عرض العسر عروضا بأسبابه العادية كالاضطرار لأكل الميتة، والدم المسفوح، وكالمرض والسفر اللذين يشق فيهما الصوم، واستعمال الماء في الغسل والوضوء، أو يضر ترك الأول بنية القضاء، والثاني إلى التيمم المبيح للصلاة، ولا تترك الصلاة نفسها لعسر أحد شروطها وعدم عسرها في نفسها، وهي لا تعسر من حيث توجه إلى الله تعالى، ومناجاة له بكتابه، وذكره ودعائه، فإن شق على المصلي بعض أفعالها كالقيام، استبدل به القعود، فإن شق عليه القعود صلى مضطجعا أو مستلقيا.

القاعدة الثامنة عشرة: حظر التعرض للهلكة في قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة..)(21)، فلا يجوز للمؤمنين- ولا سيما جماعتهم- أن يتعمدوا إلقاء أنفسهم إلى الهلاك بسعيهم واختيارهم، ويلزمه وجوب اجتناب أسباب التهلكة من فعلية وتركية- وبتعبير المناطقة من سلبية وإيجابية- ويدل عليه ذكر هذا النهي عقب الأمر بالإنفاق في

٣٦٦ / ١٬٢٢٠