حصر الجهاد في الدفاع عن الإسلام فكرة استشراقية
الجزء ٢ · صفحة ٤١الأحكام الشرعية، وتحطيم القيود الخلقية والاجتماعية التي فرضها الدين والعقل، إذ لا معنى لحد الزاني أو الشارب مثلا ما دام لكل أحد في الإسلام حريته المطلقة، في سلوكه الفردي أو الاجتماعي، فضلا عما يقتضيه كلامه من تجميد حركة الدعوة الإسلامية، لمصادمتها حريات الناس في معتقداتهم، ونحن إن أسفنا لمثل صاحب المنار- في سعة أفقه وغزارة علمه، ونبل قصده- أن تطلى عليه هذه الخدعة الاستشراقية، وأن يسلم لهذا المنطق المضطرب.
والقول الفصل الذي تدل عليه النصوص ويشهد بصحته التاريخ أن الإسلام وصل إلى عقول الناس بالحجة والبرهان لا بالسيف والسنان، ولكن السيف كان عاملا مهما في تذليل العقبات في طريقه، وفتح الأبواب الموصدة بين يديه، فإن طواغيت الكفر- الذين سيطروا على حياة الناس الخاصة والعامة، وجعلوا من أنفسهم آلهة تعبد، لهم مطلق الأمر والنهي في العباد والبلاد- لم تكن نفوسهم لتسمح بفتح الأبواب أمام الدعوة الإسلامية حتى تشق طريقها إلى عقول الجماهير الذين استعبدوهم، ونفوس المستضعفين الذين استذلوهم، فكان الواجب أولا يقتضي أن يقضي على سلطة هؤلاء المتكبرين، لتجد الدعوة الإسلامية الباب مفتوحا بين يديها.
ولو أن هذا الدين انتشر بالإرهاب كما يزعم أعداؤه، لانحسر مع انحسار قوته وتلاشى بارتفاع الإرهاب كما هو شأن جميع المبادئ التي فرضت على الناس بالقوة والبطش، فهذه الشيوعية التي هي أشد المبادئ قسوة، وأكثرها مصادرة لحريات الناس، لا يكاد إرهابها يرتفع من أرض إلا ويتنفس أهلها الصعداء، ويعلنون مساوئها على رؤوس الأشهاد، بينما بلاد الإسلام وإن احتلتها قوى معادية له، وانحسر نفوذه فإن عقيدته تبقى في نفوس أتباعه، وقد تتزلزل أحيانا نتيجة عواصف الأحداث التي تتعاقب عليها، ولكن لا تلبث أن تعود إلى استقرارها.
هذا وليس من المقبول منطقيا أن تكون الغزوات الإسلامية لمجرد صد عدوان على بلاد الإسلام أو رجاله، ولو كان الأمر كما