حصر الجهاد في الدفاع عن الإسلام فكرة استشراقية
الجزء ٢ · صفحة ٤٢يقولون لما كان داع لتجهيز الجيوش الإسلامية إلى امبراطوريتي فارس والروم، إذ لم يسبق لهاتين الامبراطوريتين اعتداء على الدولة الإسلامية، أو على رجالها في جزيرة العرب، اللهم إلا ما كان من قتل قيصر الروم أحد رسل النبيصلى الله عليه وسلم، الذي ترتبت عليه معركة مؤته الشهيرة.
وليت شعري ما الداعي- لو كان الجهاد محصورا في الدفاع- أن يكلف المسلمون أنفسهم الشطط فيدفعوا بأعز رجالهم إلى وطيس المعارك، حتى يصلوا إلى المحيط الأطلسي، ويبلغ بأحد قادتهم في الحروب أن يخوض بقوائم جواده عباب المحيط وهو يناديه قائلا: والله لو كنت أعلم أن خلفك أرضا لخضتك مجاهدا في سبيل الله. فهل يعني ذلك أن خوضه لدفع عدوان من خلف المحيط على الدولة الإسلامية، أو لأجل بث دعوة الحق في الأرض؟
والآيات التي استند إليها صاحب المنار لا تدل بحال على صحة الفكرة التي انتهجها، بل منها ما يدل على خلافها، فقوله تعالى: ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله..)(1). دليله واضح على أن الجهاد شرع لرفع راية الحق ونشر عقيدة الإسلام، إذ ليس من المعقول أن يكون الدين لله مع تقديس الأوثان وعبادة الأصنام، واتخاذ الأنداد لله سبحانه، أو مع التجرد من الدين، واتباع المعتقدات الإلحادية، وفي معنى الآية حديث ابن عمر- رضي الله عنهما- عند الشيخين: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله" وهو نص ليس عليه غبار في مشروعية الجهاد لأجل نشر الدين، ويؤيده قوله سبحانه: ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم)(2).
وهل لله سبحانه دين غير الإسلام مع قوله: ( إن الدين عند الله الإسلام)(3).
وإذا كان هذا حكم الجهاد بالنظر إلى الطبقة الحاكمة من الكفار الحائلة دون انتشاره بجبروتهم وسلطانهم، فإن حكم