تفسير المتصوفة
الجزء ١ · صفحة ٤٨تفسير المتصوفة
وعني جماعة من المفسرين بالتصوف ولم يخل تفسيرهم من غلو مجانب للحق خصوصا عندما تحول التصوف من علم يعنى بتربية الضمير وتهذيب النفس والتزهيد في الدنيا والترغيب فيما عند الله إلى علم أشبه بالفلسفات العقيمة التي لا تحل مشكلة ولا تصلح فسادا في النفس وقد اختلط التصوف بالآراء الباطنية كما يظهر أثر ذلك واضحا في التفسير الذي ينسب إلى محيي الدين بن عربي، وذكر العلامة السيد محمد رشيد رضا أن نسبته الصحيحة إلى القاشاني الباطني الكبير.
وقد خلط جماعة من المفسرين بين التفسير بالمأثور والتفسير الصوفي، كما نجد ذلك في "روح المعاني" للعلامة الألوسي فبعد أن يورد أقوال السلف يتبعها بما ينسبه إلى السادة الصوفية من رموز لا يكاد يفهم لها معنى، وكأنه يرى أن للقرآن باطنا وظاهرا، وهذا موضوع قد أطال فيه العلامة الشاطبي ومع انتقاده لهذا المسلك من التفسير حاول أن يبرزه أو يبرر أكثره، والقرآن الكريم كتاب أنزله الله محكما ليكون هدى للمتقين وذكرى للعالمين ولن يكون كذلك إلا إذا كان بعبارات يفهمهما الناس أما أن يكون القرآن لغزا من الألغاز المعماة فإنه وإن كان هداية فلن تكون في هذه الحالة عامة للناس، لذلك لا أرى وجها يبرر تفسير القرآن بالرموز الصوفية ومن تأمل وصف الله تعالى لكتابه في قوله"إنه لتنزيل رب العالمين نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ" ( الشعراء192/195) ،أدرك أن القرآن الكريم خال من هذه المصطلحات المعقدة التي لم تكن معهودة عند العرب.
ومما يلاحظ أن كثيرا من المفسرين قد عني بحشر مصطلحات الفنون التي يعنون بها في التفسير فاختفت معاني القرآن الحقيقية وراء ضباب هذه المصطلحات ومما لا نشك فيه أن جمهور الناس لا تستسيغها أفكارهم ولا تكتنهها أفهامهم.
---