جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

المتقون مختصون بالهدى

الجزء ٢ · صفحة ١٧٩

كان واحدا لذكر الفصل في الأولى لأن المؤمنين بالقرآن هم الذين على الهدى الصحيح، فهو خاص بهم دون سواهم، لكنه اكتفى عن التنصيص على تمكنهم من الهدى بحصر الفلاح فيهم.

وأنت إذا تدبرت هذه الآية وما قبلها من الآيات، لن تجد دليلا على التغاير بين الإشارتين، ولا على انقسام المهتدين إلى طائفتين وحسبك ما مر بك في تفسير ما قبلها وضوحا بأن جميع تلك الصفات جارية على فريق المتقين من غير التفات إلى أي انقسام فيهم.

أما تنكير "هدى" فهو للتنويه بشأن ما تمكنوا منه من الهدى، ويعزز ذلك وصفه بأنه من (ربهم) فإنه دليل كونهم موضع عناية الله سبحانه.

وأما عدم اقتران الإشارة الأولى بضمير الفصل واقتران الثانية به، فلأجل الترقي في العبارة، ونحوه ما في سورة لقمان مع اتحاد المشار إليه، كما تقدم بيانه. وكذلك في هذه السورة في قوله تعالى بعد وصف الصابرين: ( أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون). وقد بين الله سبحانه اختصاص هؤلاء المتقين بالهدى، بيانا يصور لك هذه الحقيقة المعنوية، ويجليها في صورة المحسوس، حيث قال: "على هدى" دون أولئك أصحاب هدى مثلا، لأن "على" دالة على الاستعلاء، وهو يقضي بتمكن المستعلي من المستعلى عليه، وقدرته على تصريفه وترويضه، فهؤلاء المتقون متمكنون من الهدى تمكن الراكب من مركوبه، وفي الاستعارة التي ينطوي عليها هذا التعبير وجوه:

أولها: أنها تبعية نظرا إلى أن المستعار الأصلي هو الاستعلاء، ثم سرت إلى الحرف الدال عليه وهو (على) وقد جنح إلى هذا الوجه السيد الجرجاني وحمل عليه صاحب الكشاف.

ثانيها: أنها تمثيلية، لأن المشبه هيئة منتزعة من عدة أشياء وهي المتقون والهدى، وتمكنهم منه، والمشبه به صورة منتزعة من أشياء متعددة كذلك وهي الراكب والمركوب والاستعلاء، ثم طويت المشبهات لحلول المشبه بها محلها على طريق الاستعارة، وأظهرت (على) من بين الصورة المستعارة لأنها العمدة في هذا التشبيه

٥١٦ / ١٬٢٢٠