جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

صحة قراءتي " يكذبون"

الجزء ٢ · صفحة ٢٥٤

فحال بينه وبين درك المراد، فإن الوعيد على الشيء لا يعني عدم الوعيد على غيره، والمنافقون متلبسون بالكذب والتكذيب، فلا غرو إذا توعدوا على الكذب تارة وعلى التكذيب أخرى، وليس في وعيدهم على أحد الأمرين ما ينافي الوعيد على الآخر، وأنت إذا تدبرت لم تجد فارقا معنويا بين كذبهم وتكذيبهم فإن دعواهم الإيمان بألسنتهم محض كذب وخلو قلوبهم منه هو عين التكذيب بما يجب الإيمان به.

وأما ما ذكره من اقتضاء السياق وعيدهم على الكذب الذي سبق ذكره لا على التكذيب الذي لم يكن له ذكر وتعزيز ذلك بأن المنافقين وصفوا بالكذب وتوعدوا عليه في سائر السور، فهو مدفوع بما علمت من أن كذبهم ينطوي على التكذيب، كيف والإيمان نفسه أهم عناصره التصديق، بل هو حقيقته اللغوية؟ فقوله سبحانه ( وما هم بمؤمنين)،يفيد أنهم من المكذبين وكذلك رده عليهم في سورة المنافقون ما حكاه عنهم من قولهم( نشهد إنك لرسول الله)، بقوله: ( والله يشهد إن المنافقين لكاذبون)، يفيد أنهم مكذبون بالرسول صلى الله عليه وسلم وبما أنزل إليه، فأي غرابة مع ذلك إذا توعدوا على التكذيب.

وجوز الزمخشري أن يكون المشدد دالا على ما يدل عليه المخفف مع المبالغة، كما يقال بين الشيء بمعنى بان، وصدّق بمعنى صدق،وموتت الإبل بمعنى ماتت، كما جوز أن يكون من كذّب الوحش إذا جرى ووقف لينظر ما وراءه، وتلك حالة المتحير كما هو شأن المنافق الذي دل عليه حديث ابن عمر- رضي الله عنهما- عند مسلم والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة"، وزاد النسائي " لا تدري أيهما تتبع" ووافق الزمخشري على هذين التأويلين لقراءة التشديد السيد الجرجاني وأبو السعود والألوسي، ولست أرى ما يدعو إلى هذه التأويلات القاصية عن الأفهام مع وجود ما يغني عنها من المعنى القريب الذي يمكن أن تحمل عليه القراءة بدون

٥٩٠ / ١٬٢٢٠