صحة قراءتي " يكذبون"
الجزء ٢ · صفحة ٢٥٣صحة قراءتي " يكذبون":
واختلف في قراءة " يكذبون" فحمزة والكسائي وعاصم قرأوها بالتخفيف من الكذب، ونافع وابن كثير وأبو عمر وابن عامر قرأوها بالتقبيل من التكذيب، وما أجدر المنافقين بوعيد الكاذبين والمكذبين لجمعهم بين صفيتهم واتصفاهم بمساوئهم غير أن ابن جرير- كعادته في انتقاده ما لا يعجبه من القراءات- خطأ قراءة التثقيل ظانَّاً أن الذين قرأوا بها لا يرون الكذب من غير تكذيب يوجب شيئا من العذاب فضلا عن كونه أليما، وأطال في الرد عليهم، واستدل لتصحيح قراءة التخفيف بأنها تتفق مع السياق، فإن قصة المنافقين صدرت بقول الله عز وجل: ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين)، وهو دال على كذبهم، فالوعيد على ما سبق ذكره من الكذب أولى من أن يكون على التكذيب الذي لم يذكر، كما استدل لذلك بما وصف به المنافقون من الكذب في غير هذه الآيات، كقوله سبحانه في سورتهم: ( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون)(1)،وقوله في سورة المجادلة: ( اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين)(2)،فإن ذلك كله يفيد اتصافهم بالكذب ووعيدهم عليه دون التكذيب(3).
ولا زلت أستغرب من جرأة ابن جرير على انتقاد ما تواتر من القراءات كأنها مجرد آراء لأصحابها، وليست روايات متواترة النقل عن المعصوم، على أن ابن جرير من أولي الخبرة في الروايات وما يتصل بها، فكيف سمحت له نفسه أن يخطئ قراءة ثبت نقلها بالتواتر عن إمام الهداة وأفصح العرب وأعلم الخلق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس ما احتج به صالحا للاستناد عليه؟
أما ما قاله من أن قراءة التثقيل لا تقتضي الوعيد إلا على التكذيب دون الكذب فما هو إلا وهم اصطبغ به ذهنه