جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

سبب إهمال الرسول صلى الله عليه وسلم المنافقين

الجزء ٢ · صفحة ٢٦٠

سبب إهمال الرسول صلى الله عليه وسلم المنافقين:

هذا وقد يتساءل من يسمع قصة المنافقين ومعاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم عن السبب في إهمالهم وترك قتلهم مع ظهور أمرهم وانكشاف سرهم بشواهد حالهم، وما كان ينزل فيهم من آيات القرآن شارحا لأحوالهم ومشيرا إلى ما يشخصهم من الصفات؟ وقد أجيب عن هذا التساؤل بأربعة أجوبة:

أولها: أن حالهم لم يكن مكشوفا لعامة الناس، وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده يعرف حقيقة أمرهم، وليس للحاكم أن يقتل بعلمه باتفاق، وإن جاز له بعض العلماء الحكم بعلمه فيما دون القتل،

واعترض هذا الجواب ابن العربي في أحكام القرآن بأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل الحارث بن سويد بن الصامت لقتله المجذر بن زياد غيلة يوم أحد لأن المجذر قتل أباه سويدا يوم بعاث، فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بأمره فقتله به، ورد القرطبي هذا الاعتراض بأن الإجماع إن ثبت لا ينقضه ما ذكر فإن انعقاد الإجماع لا يكون إلا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي، ولا يبعد أن تكون هذه القضية واقعة حال أو منسوخة بالإجماع.

ثانيها: أن ترك قتلهم لأن الزنديق- وهو الذي يبطن الكفر ويظهر الإيمان- يستتاب ولا يقتل، أجاب به بعض أصحاب الشافعي، ووهّنه ابن العربي بأن النبيصلى الله عليه وسلم لم يستتبهم إذ لم يرو ذلك أحد عنه، وكان يعرض عنهم ولا يتعرض لهم مع علمه بهم.

ثالثها: أنه صلى الله عليه وسلم كف عنهم رعاية لمصلحة الأمة والدين، فقد كان يخشى لو تعرض لهم أن ينفر عنه قلوبا هو أحوج إلى تأليفها وإلى ذلك يشير جوابه صلى الله عليه وسلم لعمر- رضي الله عنه- حيث قال له: " معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي" رواه الشيخان. ومثل ذلك إعطاؤه صلى الله عليه وسلم للمؤلفة قلوبهم مع علمه بسوء اعتقادهم، ونسب هذه الإجابة القرطبي إلى علماء

٥٩٦ / ١٬٢٢٠