عواقب الكذب وخيمة وهو مشتمل على الكفر
الجزء ٢ · صفحة ٢٥٧عن جده، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ويل للذين يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويل له، ويل له "، ونفى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المؤمن صفة الكذب، فقد أخرج مالك في الموطأ عن صفوان بن سليم- رضي الله عنه-، قال: " قلنا يا رسول الله؛ أيكون المؤمن جبانا؟ قال: نعم، قيل له: أيكون بخيلا؟ قال نعم. قيل: أيكون كذابا؟قال: لا"، ذلك لأن الجبن خلقة جبلية في الجبان، فلذلك لم يناف الإيمان، وحب المال أمر مركوز في نفس البخيل غير أن الإيمان يُغَلِّبه على هذا الطبع، فلا يحول بينه وبين إيتاء الزكاة، وأداء سائر الواجبات المالية، أما الكذب فإنه ينشأ عن اختيار صاحبه، وتعويد لسانه عليه، فلذلك لم يكن يجامع الإيمان، وجاء في حديث مرفوع عند أحمد وغيره " يطبع المؤمن على جميع الخلال ليس الخيانة والكذب"، وقد تقدم ما يدل على أن الكذب من خصال النفاق وصفات المنافق في الأحاديث التي أوردناها عن ابن مسعود وأبي هريرة وعبدالله بن عمر بن العاص في علامة المنافق وخصال النفاق.
والكذب إذا اعتاده الإنسان لم يلبث أن يتحول إلى سجية لا ينفك عنها، كما هو شأن الكذابين الذين خبرناهم وعرفنا عنهم الكثير من مساوئ الأعمال وقبائح الخصال، وهو الذي يعنيه حديث ابن مسعود- رضي الله عنه- الذي رواه الشيخان من طريقه مرفوعا: " إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا،وإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا".
وقد جاء وعيد الكذابين في أحاديث متعددة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حديث رؤيا منامه صلى الله عليه وسلم.
وإذا كان الكذب لا ينشأ إلا عن فساد الفطرة، فإنه لا يجد له مناخا إلا في البيئة التي تسودها الرذيلة وتتقلص منها الفضيلة، وفي مثلها لا يكاد الإنسان يثق بمحدث ولا يطمئن إلى حديث،