( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ....) (11، 12)
الجزء ٢ · صفحة ٢٦٤بآيات الله البينات ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا.
ومن أمثلة ذلك ما كان من أحد الطواغيت- الذين طواهم الزمن- عندما طولب بتطبيق شرع الله، فأجاب ساخرا من هذه المطالبة وممن صدرت منه: " إن زماننا هذا أوسع من أن تتسع له شريعة الله" كأنما شرع الله الذي وسع السموات والأرض والذي قام على موازينه الوجود، أضيق مجالا وأقل عطاء في نظره من تلك الأوهام الضالة التي أخرجت للناس في صورة قوانين لتبث في الأرض الفساد وتشيع الظلم بين الناس.
ومما شاع في أوساط كثير من أولئك الذين أصيبوا بهذا الداء الجاهلي الدفين، أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدخل غاشم في شئون الناس الخاصة، ومصادرة لحرياتهم الشخصية ضاربين عرض الحائط بقوله عز وجل: ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)(1)،ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل اعتبروا المحافظة على الدين من العيوب التي يستحيي منها الفرد الكيّس، ويترفع عنها المجتمع الواعي، فلم يتورعوا أن يصفوا التمسك بالمبادئ الحقة تارة بالجمود، وتارة بالتحجر، ومرة بالرجعية، وأخرى بالتطرف، ولا أزال أذكر جواب أحد المغرورين عندما وجه إليه أحد دعاة الخير نصيحة بالكف عن مفسدة فقال له ساخرا منه ومن نصيحته: ( ما أغلى نصحك وأحلى كلامك غير أنهما لم يأتيا في زمنهما المناسب، فقد تأخرا عن وقتهما قرنا من الزمن، وعجلة الأيام لا تعود إلى الخلف)، وهو كلام يدل على أن صاحبه يعتقد بأن الدين طواه الزمن وأبلاه الدهر، فلا يصح اليوم لما كان يصلح له بالأمس، ولكن- بحمد الله- أصيب الذين يسودهم هذا التفكير بخيبة أمل عندما أثبتت الأيام أن الدين وحده هو القوة الغيبية التي تتلاشى بين يديها جميع القوى، وأنه- رغم محاربته والتآمر عليه بشتى المكائد- لا يزال في إقبال ونمو كما شرع أول مرة، فهذه الصحوة الإسلامية- والحمد لله- أخذت تقض على الجاهلية الحديثة