جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ....) (11، 12)

الجزء ٢ · صفحة ٢٦٥

مضجعها، وتثير في أعماق نفسها الخوف والرعب، وسوف يأتي اليوم الذي يسود فيه هذا الدين إن شاء الله، ويهد أركان هذه الجاهلية، ويجتث بنيانها كما فعل بسالفتها الجاهلية القديمة؛ عندما طوى ظلامها بإشراق نوره وسطوع هداه.

وكثيرا ما يتردد على ألسنة منافقي العصر الحديث التشدق بالإسلام، ودعوى الانتماء إليه، والاعتزاز به، ليواروا بذلك ما ينطوون عليه من الكفر والشر والفساد، غير أن طبيعتهم المنحرفة تجعلهم أحيانا تفيض ألسنتهم بما تطفح به صدورهم من الحقد الدفين والكراهية للإسلام والمسلمين.

وقوله تعالى: ( وإذا قيل لهم…)" الآية"، وارد مورد تعداد مساوئ المنافقين وهتك أستارهم والنعي عليهم، فلذلك لا أجد داعيا إلى السؤال هل هو معطوف على جملة " يكذبون" من الآية السابقة كما رجحه الزمخشري، أو معطوف على " ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر" كما اختاره الألوسي أو معطوف على " يقول آمنا" كما حكاه الزمخشري، أو على " في قلوبهم مرض" كما استظهره ابن عاشور؟ فإنه مع جواز عطف القصة على القصة- كما تقدم- لا يمنع أن تساق أحوال طائفة مخصوصة في نسق يتبع بعضها بعضا سواء كان الحديث عن بعضها في جملة أو أكثر، إذ المراد تجلية هذه الأحوال للسامعين ليكونوا منها على بصيرة ومن أصحابها على حذر.

ويرى بعض أهل التفسير أن إذا هنا عارية عن معنى الشرط، وإنما هي للظرفية وحدها، ويترتب على ذلك كونها للمضي وليست للاستقبال كما إذا كانت شرطية، وهو واضح لأن ذلك ديدنهم قبل الإخبار عنهم، ونحوها قوله تعالى: ( حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر)(2)،فإن دلالتها على المضي فيه واضحة.

وتقديم الظرف على " قالوا إنما نحن مصلحون" هو- كما يقول ابن عاشور- لإيقاظ الأفكار وتنبيه العقول على ما وصلوا إليه من الفساد، وانتهوا إليه من الضلال، وفي ذلك تعجيب من حالهم فإن من شأن الفساد أن يكون باديا للأنظار السليمة متشخصا للأفكار المستقيمة، ولا تكون

٦٠١ / ١٬٢٢٠