تكملة تفسير الآية
الجزء ٢ · صفحة ٢٧١وذكر المحقق ابن عاشور أن إيقاعهم الفساد ينقسم إلى مراتب:
أولها: إفسادهم أنفسهم بإصرارهم على تلك الأمراض النفسية الناشئة عن النفاق التي سلف ذكرها، وما يتولد منها من مفاسد ويترتب عليها من مذام.
ثانيها: إفسادهم أولادهم وحواشيهم لأنهم يقتدون بهم في مساوئهم، وإفسادهم ببث تلك الصفات الذميمة بينهم ودعوتهم إليها، وهذا ما حكى الله عن نوح- عليه السلام- أنه قال: ( إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا)(2).
ثالثهما: إفسادهم مجتمعهم بأفعالهم التي يستشري داؤها في أوساط الناس، كإلقاء النميمة، وإثارة العداوة، وتسعير الفتن، وتأليب الأحزاب على المسلمين، وإحداث العقبات في طريق المصلحين.
والإفساد يعم ذلك كله، كما يعم كل ما ينشأ عنه من مضرة في الدين أو الدنيا، كانتشار الجهل، وحصول الانحراف الفكري أو السلوكي، وقتل الأنفس وغصب الأموال وإتلافها، وانتهاك الأعراض، وهو مما يترتب على أعمال المنافقين من إثارة الأحقاد، وتأليب الأحزاب، وإلقاء الشبه، وإغراء العداوات والبغضاء بين الناس.
واختلف في المراد بالأرض هنا، فقيل أرض المدينة، وعليه فـ(أل) للعهد الذهني، للعلم بأن القرآن كان يتحدث عن المنافقين الموجودين في عصر النبوة، وكانوا منبثين في أنحاء المدينة المنورة وما حولها، وقيل بل المراد بالأرض الكرة الأرضية وما فيها من الناس والحيوانات والنبات والجماد والنواميس والأنظمة، لانعكاس أثر الفساد على ذلك كله، فإن الأرض جزء من مملكة الله الواسعة تربطها بسائر الأجزاء نواميس وأنظمة، وسنن وطبائع، وفي خروج الإنسان عن منهج الله إخلال بهذه الرابطة، ونقض لعرى هذه الوحدة.
وأنت إذا تدبرت ما أسلفناه من أن الحديث عن المنافقين في القرآن لا ينحصر في تلك الطائفة التي كانت في عهد النبوة وأنه يتجه إلى كل من شاكلهم في أي عصر،