النفاق يزين الباطل ويقبح الحق
الجزء ٢ · صفحة ٢٨١الناصحين- لا يقتضي كونهم مجاهرين وإنما هو أسلوب من أساليب الخداع، وفن من فنون النفاق وارد مورد قولهم( واسمع غير مسمع)(1). من احتمال الأمرين بحسب تقدير المعمول إذ يمكن أن يحمل على الدعاء بالخير إن قدر غير مسمع مكروها، وبعكسه إن قدر غير مسمع خيرا، وكانوا يلقون هذا الكلام على النبي صلى الله عليه وسلم استخفافا وسخرية، فقد كانوا يوهمونه قصد الدعاء بالخير وهم يبطنون ضده فنزل القرآن هاتكا سترهم كاشفا سرهم، حتى لا يتطاولوا على حضرة صاحب الرسالة بعبارات الهزء والسخرية.
وجعل أبي السعود ما في هذه الآية نظير ما في تلك يعني أنهم كانوا يواجهون نصحاءهم بمثل هذا الجواب استنكارا منهم لدعوتهم إلى الإيمان كما آمن الناس، زاعمين أنهم على ذروة الإيمان، فإذا لم يكن إيمانهم كإيمان الناس الذين بهم الاعتداد وفيهم الأسوة فهل إيمانهم كإيمان السفهاء والمجانين الذين لا اعتداد بهم ولا بعقائدهم، وهكذا يوهمون النصحاء الدعاة إلى الإيمان مع انطواء جوابهم على مغزى آخر من مغازي الكلام، وهو لمز المؤمنين بالسفه والطيش، وإلى ذلك كانوا يهدفون.
وقد مر بكم في تفسير الآيتين السابقتين بيان احتمال أن تكون هذه الفلتات من المنافقين بمحضر وحدان المؤمنين دون جماعاتهم بحيث يمكنهم التخلص منهم، ومما يترتب على رفائعهم- لو كشفوا أمرهم للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين- بالمعاذير التي ينتحلونها والأيمان التي يكررونها وبهذا ينحل كل ما تصوره من إشكال في هذا التقاول، ويستغنى عما جاء به أبو السعود زاعما أنه الحق الذي لا محيد عنه، وبحسبكم ما ذكرته ثََم- من شواهد الآيات الدالة على أن المنافقين كانوا يجهدون في اختلاق المعاذير وانتحال الأكاذيب وإغلاظ الأيمان لأجل درء التهم عنهم وتخلصهم مما ينسبه إليهم المطلعون على أمرهم من المؤمنين- دليلا على صحة كون هذا التقاول بينهم وبين المؤمنين.
هذا وقد عز الألوسي ما ذكره أبو السعود إلى الشهاب