جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الأمثال ترسخ المعاني وتقرب الحقائق

الجزء ٢ · صفحة ٣٠٩

اصطنعوه دينا لهم ولأتباعهم، فلذلك لا يصغون لصوت ناصح ولا يقبلون عذل عاذل، وقد سلبوا هداية أنبيائهم، وانطفأت أنوار ما كان بأيديهم من الكتاب.

وإذا ألقينا نظرة إلى سياق هذه الآيات لم نجدها إلا في المنافقين سواء كانوا من منافقي اليهود أو منافقي العرب، والمثلان مضروبان فيهم لا في غيرهم، ولا مانع من الانتقال من مثل إلى آخر مع كون الممثل له واحدا، فإن ذلك معروف عند العرب، وستأتي له شواهد إن شاء الله عندما نصل إلى المثل الثاني.

ووجه ضرب هذا المثل في المنافقين أنهم استضاءوا بشيء من نور الإسلام حال اجتماعهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين، وسماعهم ما يدور في مجالسهم من مواعظ وأمثال، ومشاركتهم في الأعمال الدينية الظاهرة، ولكن سرعان ما تنطفئ هذه الشعلة عندما يفارقونهم، فتتراكم في نفوسهم ظلمات العقيدة التي يبطنونها، وهذا هو المروي عن مجاهد؛ وقال عطاء الخرساني: هذا مثل المنافق يبصر أحيانا، ويعرف أحيانا، ثم يدركه عمى القلب، وعزا ذلك ابن أبي حاتم إلى عكرمة والحسن والسدي والربيع بن أنس وروي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

وما ذكروه من إبصارهم أحيانا عن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن الآية في قوم دخلوا في الإسلام عندما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ثم إنهم نافقوا، وكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة فأوقد نارا فلما أضاءت ما حوله من قذى وأذى فأبصر حتى عرف ما يتقي منه، فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره لا يدري ما يتقي من أذى فذلك المنافق كان في ظلمة الشرك فعرف الحلال والحرام، والخير والشر فبينما هو كذلك إذ كفر فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر؛ وروي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم مثله.

وأنكر ابن جرير أن يكون هؤلاء أسلموا في وقت من الأوقات لقوله تعالى فيهم( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم

٦٤٥ / ١٬٢٢٠