الأمثال ترسخ المعاني وتقرب الحقائق
الجزء ٢ · صفحة ٣١٤كافرون)(7). حيث جمع ضمير الخطاب في "أرسلتم" حكاية لخطاب أقوام الرسل بمعرض جواب سؤال النبي صلى الله عليه وسلم الموجه إلى قومه بقوله " أولو جئتكم" وبهذا يكون ما في هذه الآية موافقا لما في التشبيه الآتي من قوله " يجعلون أصابعهم في آذانهم" فإنه يتعين رجوعه لبعض المشبه به دون المشبه.
والذي يقوله ابن عاشور لا يبعد مما قاله الزمخشري على الوجه الأخير، وإنما الفارق بينهما أن جملة " ذهب الله بنورهم…الخ" خارجة عن التمثيل عند الزمخشري على هذا الوجه، وداخله فيه عند ابن عاشور، ولكن التفت فيها إلى المشبه كما يفرق بينهما أنها جواب " لما" عند ابن عاشور، وجوابها عند الزمخشري مقدر كما ذكرت من قبل، وما ذكره الزمخشري من الجواب المقدر ينكشف للفهم على ما ذهب إليه ابن عاشور ولو بدون تقدير.
وإذا رجعت تتأمل ما أوردته من آراء السلف في الآية الكريمة علمت احتمال أن يكون ذهاب هذا النور ممن ضرب فيهم المثل- وهم المنافقون- في الدنيا والآخرة معا، فأما ذهابه في الدنيا فما يعتريهم من الشكوك فيما أدركوا حقه من عقيدة التوحيد، وعلموا صدقه من رسالة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، وما يتبع هذه الشكوك من رسوخ الكفر في نفوسهم واستحكام الضلال، وأما في الآخرة فإن المنافق بمجرد موته أو إشرافه عليه تنكشف له حقيقة الأمر ولا يعود ينفعه ما كان يتشبث به في الدنيا عند الناس من تدين ظاهري وهو معنى ما سبقت روايته عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وبما أن الإمام محمد عبده يرى أن هذا المثل في اليهود ومن كان على شاكلتهم كما سبق، ذهب في تطبيقه عليهم إلى أنهم استوقدوا نار الهداية الإلهية بفطرتهم السليمة عندما صدقوا رسله، فلما أشرقت لهم، واستنارت لهم الطريق، انحرفت بهم التقاليد والعادات وصرفتهم عنها المنافع التي يتوهمونها والفوائد العاجلة التي يقصدونها فحرموا الانتفاع بذلك النور واستبدلوا به ظلمات الليل البهيم.
ومهما قيل في معنى