جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الأمثال ترسخ المعاني وتقرب الحقائق

الجزء ٢ · صفحة ٣١٥

المثل فليس فيه ما يدل على أنهم أجبروا على الزيغ عن الهدى إلى الضلال، وعن النور إلى الظلمات، وإنما كان ذلك باختيار أنفسهم وعندما يركن أحد إلى الضلال، وينحرف عن طريق الاستقامة يتوالى عليه خذلان الله سبحانه فيسلبه نور الفطرة باستحبابه العمى على الهدى.

وفسر ابن عباس- رضي الله عنهما- النور بالإيمان رواه عنه ابن جرير وابن أبي حاتم، وأخرج ابن جرير وعبد بن حميد نحوه عن مجاهد وقتادة، ورواه ابن أبي حاتم عن عكرمة والحسن والسدي والربيع بن أنس، وروى مثله عن الضحاك.

ومادة الترك تستعمل في الطرح والإهمال، ومفارقة الشيء لغيره، وكثيرا ما تذكر معها الحال التي باين التارك المتروك عليها، وفي مثل هذا الاستعمال يضمن الترك معنى الجعل والتصيير فينصب مفعولين، وغالبا ما يدل ذلك على الزهد في الشيء أو تحقيره، ويراعى إذا اعتبر المنصوب الثاني مفعولا به كونه هو محل الفائدة المقصود بالإخبار.

والظلمات جمع ظلمة وهي نقيض النور، وكثيرا ما يفرد النور وتجمع الظلمة في كلام العرب، ولم يأتيا في القرآن إلا كذلك وفسر ابن عباس الظلمات بالكفر، وروي عنه تفسيرها بالضلال وهو غير بعيد مما قبله، وروي عنه أيضا تفسيرها بالعذاب، وهو مبني على ما سبق نقله عنه من أن انحسار هذا النور إنما يكون بعد مفارقة الحياة وروي مثل ذلك عن الحسن البصري، وعن السدي أنه فسر الظلمات بالنفاق.

ولا فارق بين هذه الأقوال فإن الضلال يصدق على الكفر والنفاق، والنفاق في حقيقته كفر، وإنما يزيد عليه بما يكون عليه المنافق من الخداع لله ورسوله وللمؤمنين، فالخلاف ما بين هذه الآراء لا يعدوا أن يكون لفظيا، وإنما الخلاف المعنوي بينها وبين قول من يرى أنها العذاب ، وإن كان كل من الكفر والنفاق والضلال مفضيا إلى العذاب، ذلك لأن من فسر الظلمات بها اعتبر أن ذهاب النور حاصل في الدنيا قبل الآخرة، ومن فسرها بالعذاب ذهب إلى أن النور ما يتمتع به المنافق في الدنيا بسبب

٦٥١ / ١٬٢٢٠