مظاهر تكريم الله للإنسان
الجزء ٣ · صفحة ٤المسافات واختصار مراحل الأسفار إلى الاستغناء ببضع ساعات فيما كان يكلفهم شهورا وأعواما حتى ليظن الظان أنهم طويت لهم الأرض وزوى لهم الفضاء ، وقس على ذلك بقية مطالب الحياة، وقل مثل ذلك في الانتفاع بما أودع الله تعالى هذه الأرض من مصالح للناس لم تكتشفها إلا الأجيال المتأخرة بفضل ما آتاهم الله تعالى من علم، فكم من معدن يُعد في وقتنا هذا من أكبر الثروات وأنفس المنتوجات لم يكن يزن شيئا في عهود الآباء والأجداد، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الله سبحانه هيأ هذا الإنسان لمنصب كبير لا يرقى إليه غيره، وهو الخلافة في الأرض كما تقص علينا هذه الآية الكريمة.
وبجانب هذا التكريم الإلهي لهذا الكائن البشري فإن الله ابتلاه بنقص ذاتي لئلا يذهب به الغرور إلى أنه أوتي ما أوتي باستحقاقه، وأنه مستغنٍ بذاته عن غيره، ومن مظاهر هذا النقص الضعف الجسمي، فإن كل ما يصيبه يؤلمه أكثر من إيلام غيره من المخلوقات الحية، وجسده أضعف من أجساد الحيوانات في احتمال حرارة الصيف وبرودة الشتاء.
ومن مظاهر نقصه ضرورته إلى النظافة والزينة، فهو دائما بحاجة إلى الماء للاستنجاء والاستحمام، وإلى السواك وإزالة التفث عنه ،فلو لم يستنج ويستحم لنتن، ولو لم يستك لبخر، ولو لم يلق التفث عنه لتشوه، كما أنه بحاجة إلى ما يستر سوأته من اللباس، وبدون ذلك يكون أقبح منظرا وأسوأ حالة من أي حيوان، وهو أيضا بحاجة إلى ما يدفع به عن نفسه الشر من السلاح،بينما بقية الحيوانات جعل الله لها في نفسها وسائل للدفاع تقاوم بها عدوها.
والمولود البشري يمر بمراحل متطاولة حتى تكتمل قواه بخلاف المولود من الحيوانات فإنه سرعان ما يصل إلى غايته من القوة، ولذلك كان المولود البشري بحاجة زائدة إلى عناية بالغة ممن يقوم بتربيته، وثم كثير من النواقص المختلفة يكتشفها الإنسان في نفسه إذا أمعن النظر فيها، وحسبنا أن الله سبحانه قال فيه : (وَخُلِقَ الإنسَانُ