الإنسان خليفة الله في الأرض
الجزء ٣ · صفحة ٧(( إذ)) ،وهو أمر يدعو حقا إلى الحيرة والاستغراب، فإن عَد أي كلمة مما في القرآن زائدة يعني فراغها من المعنى، وهو ينافي الإحكام الذي وصف الله به كتابه المبين، وإذا كانت زيادة الألفاظ لغير أي معنى يترفع عنها كلام بلغاء البشر فما بالكم بكلام خالق البشر الذي وهبهم ملكات البيان، والذي يبدو أن القول بزيادة (( إذ )) هنا ناشئ عن الحيرة، واضطراب الأفهام فيما ترتبط به صناعة ومعنى ، ومثل هذا القول في الغرابة والبعد عن الصواب قول من زعم أنها بمعنى (( قد )) .
والقائلون بعدم زيادتها اختلفوا في إعرابها، فمنهم من جعلها على بابها –وهو الظرفية الزمانية – وجعلها متعلقة بقالوا، جوز ذلك الزمخشري، واختاره أكثر أهل التفسير حتى أن منهم – كأبي حيان – من عده الوجه الوجيه الذي لا يُعدل عنه،ورده كل من أبي السعود وابن عاشور من حيث أنه يؤدي إلى أن يكون قول الملائكة المحكى هو المقصود الأساسي من القصة وذلك مستبعد لأن العبرة المستفادة منها كامنة في إعلام الله لهم أنه جاعل في الأرض خليفة، وما أجابوا به إنما هو مترتب على هذا الخطاب، وأضاف ابن عاشور إلى ذلك بأن هذا الإعراب لا يتأتى في كل موضع كما في قوله تعالى: ( وإذ قُلنَا للِمَلاًئِكَةِ اسجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا (الآية 34 – البقرة ) فإن فاء التعقيب مانعة من جعل الظرف متعلقا بمدخولها، وأن الأظهر أن قوله: ( قالوا ) حكاية للمراجعة والمحاورة، على طريقة أمثاله كما سيأتي بيانه(1). وذهب بعضهم إلى أنها متعلقة بمحذوف تقديره ابتداء خلقكم إذ قال ربك، أو ابتدأ خلقكم إذ قال ربك،فعلى الأول هي في موضع رفع على الخبرية، وعلى الثاني فهي في موضع نصب، وثم أقوال أخرى موغلة في الضعف، وأضعفها القول بأنها متعلقة ببشر من قوله تعالى: ( وبشر الذينَ آمنُوا وَعَمِلُوا الصالحَاتِ) .. الآية 25 – البقرة.
وضعف هذا القول باد للعيان فإن المعنى والصناعة يرفضانه، أما المعنى فلأن التبشير لم