خلافة آدم
الجزء ٣ · صفحة ١٤الابتلاء فيه وقرنه بالوعد والوعيد دليل على أن هذه الخلافة هي مسؤولية وأمانة يتحمل الإنسان ثقلها ويبوء بوزرها أو أجرها، ومما هو صريح في شمولها للبر والفاجر قوله سبحانه:( أمن يجُيبُ المضطر إذَا دَعَاُه ويَكشِفُ السوءَ ويجعَلَكُم خُلَفَاءَ الأرض أإله مع الله قليلاً ما تذكُرون) – الآية 62 سورة النمل – فإنه جاء في سياق إقامة الحجة على المشركين بوحدانية الله تعالى مع اتخاذهم آلهة أخرى، وقوله تعالى حاكيا نداء هود لعاد: ( واكُرُوا إذ جَعَلَكُم خُلَفَاءَ مِن بَعدِ قَومِ نُوح) – الآية 69 سورة الأعراف – ومثله في حكاية خطاب صالح لثمود (واذكُرُوا إذ جَعَلَكُم خُلَفَاءَ من بَعدِ عَادٍ ) – الآية 74 سورة الأعراف - وقوله عز وجل بعد أن ذكر إهلاك القرون من قبل بظلمهم وتكذيبهم رسلهم: ( ثم جَعَلنَاكُم خَلاَئِفَ في الأرض مِن بَعدهم لننظُرَ كيفَ تَعمَلُون ) – الآية 14 سورة يونس - .
وقد أشكل على كثير من الناس جعل جميع الجنس البشري خلفاء في الأرض عن الله سبحانه مع كثرة الكفار والفجار فيهم، وندرة الصالحين الأبرار بينهم، وهذا الإشكال ناتج عن عدم فهم المراد بالخلافة، فالخلافة ليست جزاء على عمل يعمله الإنسان فحسب كما يجُازى المؤمنون بالتمكين في الأرض، بل كثيرا ما تكون ابتلاء من الله سبحانه لينظر ما يقوم به هذا المستخلف، ولا فارق بين الخلافة والأمانة،فإن أمانة الله في رقاب جميع عباده برهم وفاجرهم.
كما يقتضيه قوله تعالى: ( إنا عَرَضنَا الأَمَانَةَ على السمَاوَاتِ والأرضِ والجبَالِ فأبين أن يَحمِلنهَا وَأشفَقنَ مِنها وحَمَلَها الإنسَانُ إنه كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) – الآية 72 سورة الأحزاب – وبهذا يتضح أن مسؤولية هذه الخلافة هي في أعناق جميع المكلفين، وإنما اختلافها في الخفة والثقل بحسب ما يكون للإنسان من تمكين، فمن كان أكثر تمكينا كان أثقل حملا وأفظع مسؤولية.
---