جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

مظاهر الاستخلاف

الجزء ٣ · صفحة ٢٢

الغير انتقاما لا حدود له ، والعقل وإن كان له سلطان على صاحبه فإنه سرعان ما يضعف ويتزلزل أمام عواصف الشهوة والغضب فهما قوتان مؤثرتان على النفس المجبولة على الرغبة فيما تتطلبانه ، وماذا عسى أن يصنع العقل إذا غشيته غواشيهما من كل جانب فصار كنور الذبالة بين الزوابع الهوجاء ، ولا غرو في معرفة الملائكة بذلك ، فإنهم ذوو نفوس زكية ، وأرواح قدسية لا يستغرب معها أن يعرفوا طبيعة الشيء باطلاعهم على طريقة تكوينه غير أنهم مع ما جلبوا عليه من الصفاء النفسي لا يحيطون بشيء من علم الله إلا بما شاء ، فقد فاتهم أن الله عز وجل سيستصفى من الجنس المستخلف عبادا متقين أخيارا يعملون بأمره ، ويقفون عند حكمه ، ويسخرون ما آتاهم الله تعالى من قوى جسمية وروحية في طاعته التي يقتضيها خلقهم واستخلافهم في الأرض ، وأن مواهبهم العقلية ستقوى – بهداية الله – فتسخر قواهم الغضبية والشهوانية فيما تتطلبه هذه الخلافة .

وقد سبق معنى الإفساد وهو هنا شامل لجميع المعاصي فإنها إما مضرة بالنفس أو الغير ، وذلك مناف لما تتطلبه الخلافة من التعمير الحسي والمعنوي للأرض ، وعطف سفك الدماء عليها من باب عطف الخصوص على العموم لبيان جدراته بالاهتمام والعناية ، كما في قوله تعالى : ( حَافِظوا عَلَى الصلَوَاتِ والصلاةِ الوسطى ) – الآية 238 سورة البقرة – وهذا أولى من تفسير بعضهم الإفساد بالشرك ، وجعل سفك الدماء رمزا إلى المعاصي العلمية لأنه أفحشها ، والسفك الصب والإراقة كالسفح ، وإنما يستعمل السفك في إراقة الدم دائما ، والسفح يكون غالبا في الدم ، وقد يكون في غيره ، ولا يدل قولهم هذا على عدم عصمتهم من الذنوب ، فإنهم كما علمت ما أرادوا إلا الإطلاع على حكمة الله من وراء هذا الأمر ، وقد فهموا أنهم مطالبون بأن يفحصوا عما في قرارة نفوسهم والمستشار مؤتمن فلم يجدوا مناصا عن القول الذي قالوه .

والواو في قولهم : ( ونَحنُ نُسَبحُ بِحَمدِكَ

٨٠١ / ١٬٢٢٠