جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

مظاهر الاستخلاف

الجزء ٣ · صفحة ٢٣

وَنُقدسُ لَكَ ) للحال ، وقد صدرت هذه الجملة من كل الملائكة الذين قالوا : ( أتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فيِهَا وَيَسفِكُ الدمَاءَ ) – الآية 30 سورة البقرة – خلافا لما حكاه أبو حيان في البحر عن صفي الدين أبي عبدالله الحسين ابن الوزير علي بن أبي منصور الخزرجي أنه قال في كتاب فك الأزرار (( ظاهر كلام الملائكة يشعر بنوع من الاعتراض وهم منزهون عن ذلك ، والبيان أن الملائكة كانوا حين ورود الخطاب عليهم مجملين ، وكان إبليس مندرجا في جملتهم ، فورد منهم الجواب مجملا ، فلما انفصل إبليس عن جملتهم بإبائه وظهور إبليسيته واستكباره انفصل الجواب إلى نوعين ، فنوع الاعتراض منه كان عن إبليس ، وأنواع الطاعة والتسبيح والتقديس كان عن الملائكة ، فانقسم الجواب إلى قسمين كانقسام الجنس إلى جنسين ، وناسب كل جواب من ظهر عنه )) . وقد أعجب هذا الكلام أبا حيان فقال فيه : (( وهو تأويل حسن ، وشبهه بقوله تعالى : ( وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أو نَصَارَى تَهتدُوا ) ( الآية 135 البقرة ) لأن الجملة كلها مقولة والقائل نوعان ، فرد كل قول لمن ناسبه ))(1) .

وقد حكاه أيضا الألوسي في تفسيره ولم يتعقبه إلا بقوله : (( وهو تأويل لا تفسير )) (2) بعدما نسبه إلى الغرابة .

وما أجدر هذا الكلام بالاستغراب ! فإن الجملة الحالية مرتبطة بما قبلها بحيث لا يصح استقلالها دونها لفظا ولا معنى ، فلا يتأتى أن تكون وحدها جوابا ممن صدرت عنه لقوله تعالى : ( إني جَاعِل فيِ الأرضِ خَليِفَة ) ، وقد حكاها الله مع ما قبلها عازيا ذلك كله إلى الملائكة فكيف يصح لنا أن نعزو بعضه إلى طائفة وبعضه إلى طائفة أخرى ؟ وانفصال طائفة عن طائفة بعدما كانت مندرجة فيها لا يسوغ فصل الكلام الصادر منهما معا قبل الانفصال ، ولا يصح أن ينظر ما هنا بما في قوله تعالى :

( وقالوا كُونُوا هُودا أو نَصَارى تَهتَدُوا ) لجواز استقلال كل واحدة من طائفتي اليهود والنصارى بالدعوة

٨٠٢ / ١٬٢٢٠