جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الملائكة والشياطين من عالم الغيب

الجزء ٣ · صفحة ٧٥

الملائكة والشياطين من عالم الغيب

لا ريب أن الملائكة والشياطين من عالم الغيب الذي لا يمكن أن نفسره وفق المقاييس التي نعتمد عليها في فهم عالمنا المشهود ، وإنما يجب استنادنا في اكتناه حقائقه على ما نفهمه من كتاب الله ، وما ثبت عندنا من حديث رسوله صلى الله عليه وسلم إذ ليس لنا أي اتصال بالغيب إلا من طريقهما ، وإذا استقرينا نصوص الكتاب والسنة نجد أن هذا التفسير الذي قاله الإمام واعتمده تلميذه صاحب المنار ليس من الصحة في شيء بل هو بعيد من الصحة بعد تخوم الأرض عن الأفلاك المتناهية في العلو ، فالله عز وجل يخبرنا عن الملائكة بقوله : (( جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء )) ( فاطر : 1 ) ، وقوله : (( بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون، ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين )) ( الأنبياء : 26 - 29 ) .

فإن هذه الأوصاف - بحسب مقتضيات اللغة العربية - لا تكون إلا لأولي ذوات مستقلة ، وهو يتنافى مع تفسيرهم بالطاقات الطبعية ، فإنه من المعلوم أن الطاقة الطبعية لا توصف بأنها عاقلة ، وكل من لفظتي (( أولي )) و (( عباد )) لا تطلق إلا على جنس العقلاء فضلا عن إطلاقهما على الحقائق المعنوية وحدها كالقوى الطبعية ، ومثل ذلك وصف العباد بالصيغة الدالة على جمع العقلاء في قوله : ( لا يسبقونه ) ، و ( يعملون ) ، و ( بين أيديهم وما خلفهم ) ، و ( لا يشفعون ) ، و ( هم ) ، و ( مشفقون ) ، و ( منهم ) ، ويقول تعالى : ( والملائكة باسطوا أيديهم ) ( الأنعام : 93 ) وهو دال على استقلال ذواتهم كما قلت ، ويقول في زبانية النار - والعياذ بالله - ( عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون

٨٥٢ / ١٬٢٢٠