جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

أصل إبليس

الجزء ٣ · صفحة ٦٠

وجوز بعضهم أن تكون كان بمعنى صار وهو يعني انتقاله بعد الطرد والمسخ من الصفات الملكية إلى صفات الجن الشيطانية فلذلك جاز عليه ما لم يجز على الملائكة ، وأما خلقته من نار فلا تنافي – عندهم – أن يكون كالملائكة مخلوقا من النور لأن النار من طبيعتها الإنارة .

وما أوهى هذه الردود وأخفى حجتها فإن الأدلة ظاهرة في كون الجن جنسا موازيا للإنس وليس من الملائكة ، ولا يبعد أن يكون مشركو العرب قالوا فيهم ما قالوه في الملائكة من وجود النسب بينهم وبين الله تعالى عما يقولون ، فلا يدل قوله تعالى : (وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ) على قصد الملائكة بذلك ، وقد قال غير واحد من المفسرين : إن المراد بالجنة هنا الجان لا الملائكة ، والنار وإن كان من شأنها الإنارة فإن خاصيتها المعروفة هي الإحراق ، فالجن خلقوا منها متلبسين بهذه الخاصية المزعجة ، أما الملائكة فهم مخلوقون من النور والنور لا يلزم تلبسه بالإحراق كما هو معروف على أن قوله تعالى في سورة الكهف : ( كان من الجن ففسق عن أمر ربه ) واضح في أن فسقه ناشىء عن كونه من الجن .

والقول الفصل في هذه المسألة هو ما قاله الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وهو أن إبليس كان مع الملائكة بصورته مع اختلاف عنصره عنهم فهو من نار وهم من نور، وأن النافي لكونه من الملائكة ، والمثبت لم يتواردا على محل واحد ، وبهذا يرجع القولان إلى قول واحد .

وجمل ( أبى واستكبر وكان من الكافرين ) مستأنفة استئنافا بيانيا لتبيان سبب خروجه عن الملائكة بعصيانه أمر الله واعتراضه عليه وذلك أن من شأن مثل هذا الخبر أن يثير تساؤلا في نفوس سامعيه ، كيف لم يمتثل إبليس أمر ربه مع الحاقه إياه بالملأ الأعلى وتأثره بالصفات الملكية وإن لم يكن منهم ؟ وتوجيه الخطاب إليه ضمن خطاب الملائكة في قوله : ( اسجدوا ) على أن من طبيعة المخلوق التأثر بالمقارن ، وكراهة شذوذ الفرد عن الجماعة ، وفي هذه الجمل الإجابة عن

هذه التساؤلات كلها .

٨٣٩ / ١٬٢٢٠