جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

معنى الإباء والاستكبار

الجزء ٣ · صفحة ٦٣

وقال كثير منهم : إن المراد بقوله : ( وكان من الكافرين ) أنه كان كافرا في علم الله عز وجل ، والداعي إلى هذا القول عند قائليه إن إبليس قبل هذا الإباء لم يكن في ذاته كافرا وإنما كان كفره مما طواه الغيب في علم الله وحده ، وذهب آخرون إلى أنه كان كافرا في سره وإن ظهر خلاف ذلك من علانيته ، وجميع هذه الأقوال غير صادرة إلا عن التكلف الذي ألجأ قائليها إليه نظرهم إلى أن دلالة كان على المضي ، وإبليس لم يكن في ماضي أمره حسب علانيته كافرا ، والصحيح ما استحسنه ابن عاشور وهو أن (( كان)) هنا دالة على رسوخ معنى خبرها في اسمها وإلا فالأصل أبى واستكبر وكفر ،ولما أريد تعميق مفهوم الكفر الذي انطوى عليه إبليس ليكون سامعو خبره على بينة من أمره جيء بكان كما فُعل في قوله عز وجل : ( إلا امرأته كانت من الغابرين ) (الأعراف : 83 ) ، وقوله : ( ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون ) ( النمل : 41 ) .

وعُدل عن نحو وكان كافرا إلى ( وكان من الكافرين ) مع أنه لم يكن له ثان في الكفر يومئذ فضلا عن وجود مجموعة من الكافرين ينضم إليها لأن التعبير المعدول إليه أدل على تعمق الكفر فيه وتمكنه منه ، فإن الواحد يزداد تمسكه بمبدئه وإصراره عليه إذا علم أن له شركاء يساندون رأيه ويقفون معه ، فإبليس وإن كان هو الإمام للكافرين ورفضه لما أمره الله به هو الخطوة الأولى إلى الكفر ، فإن استشعاره أنه سيكون له أتباع وأعوان وشركاء فيما اختاره لنفسه من الكفر كان له حافزا إلى الإصرار على ما أخلد إليه والعياذ بالله ، وقد ذكر الاستكبار هنا مجملا وبين في قوله تعالى حاكيا عنه : ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) ( ص : 38 ، الأعراف :12 ) وفيه دليل على أن منشأ استكباره نظره إلى العنصر الذي خلق منه ، والعنصر الآخر الذي خلق منه آدم ، ولم يدر بباله أن قيمة كل أحد عمله وليست عنصره ، وفي هذا عبرة للذين يتفاخرون بالأنساب ويتكلون على

الأحساب تاركين العمل الصالح جانبا عنهم كأنما يجازى الناس يوم القيامة بأنسابهم .

٨٤١ / ١٬٢٢٠