الشيطان عدو ماكر
الجزء ٣ · صفحة ١٠١وعلى الأول فعن في هذا الموضع كالتي في قوله تعالى : ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ) ( التوبة : 114 ) ، وقوله : ( وما فعلته عن أمري ) ( الكهف : 82 ) ، وقوله : ( وما ينطق عن الهوى )( النجم : 3 ) ، وهي في كل هذه المواضع دالة على النشوء والصدور ، ويعني ذلك أن وقوعهما في المعصية نشأ أو صدر عن تلك الشجرة ، أي كان بسببها ، وحمل بعضهم ( عن ) قيما كان كذلك على السببية ، وهو من باب التفسير بالمعنى ؛ وعلى الثاني فعن على بابها ؛ والرأي الأول روعي فيه عدم خلو القصة عن ذكر سبب الخروج.
واختلف في الوسيلة التي اتخذها – لعنه الله – حتى تمكن من إغوائهما ، وأكثر ما قيل من مزاعم أهل الكتاب وإن عزى إلى بعض الصحابة والتابعين ، والباعث إلى التساؤل عن ذلك هو أن الله سبحانه طرد إبليس مذؤوما مدحورا من دار كرامته ، فكيف تمكن من الدخول فيها حتى يفضي إليهما ، ومما قيل أنه لجأ إلى حية كانت تخرج من الجنة وتعود إليها فطلب منها أن تخفيه بين أنيابها حتى تمكن من الإفضاء إليهما ، فأخذ يوسوس لهما من بين الأنياب غير أنهما لم يصغيا إليه حتى خرج إليهما ، فمناهما بما مناهما به من الخلد إن أكلا من تلك الشجرة كما قال تعالى: ( قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ) ( طه : 120 ) ، وقال سبحانه : ( ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ) ( الأعراف : 20 ) ، وهذا الرأي هو الذي درج عليه أكثر المفسرين لا سيما المفسرون بالمأثور ، ورائحة الكذب اليهودي تشتم منه ، وقد أشار إلى ذلك ابن كثير مع أنه من الذين يعتمدون على المأثور في تفسيرهم ، وقال بعضهم إنه تحول إلى صورة دابة فدخل الجنة ، وذهب آخرون بأنه استطاع أن يوسوس لهما من السماء ، وبعضهم قال بأنه وقف على باب الجنة وكانا – عليهما السلام – يتجولان في نواحيها فوصلا إلى الباب فتمكن من الوسوسة لهما ، إلى غير ذلك من الأقوال