الشيطان عدو ماكر
الجزء ٣ · صفحة ١٠٢الفارغة من الدليل .
وأنتم تدرون أن للشياطين قوى روحية خارقة كالقوى التي وهبها الله الملائكة وإنما الفارق ما بين القوتين أن القوى الملكية خيرة والقوى الشيطانية شريرة ، فلا عجب إذا تمكن الشيطان من إغواء آدم وزوجه بما ينفثه في أنفسهما من دواعي السوء ، وتلك هي الوسوسة التي أخبر تعالى عنها بقوله : ( فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما ) ( الأعراف : 20 ) ، وإنما عُبر عنها بالقول في مواضع متعددة لأنها سدت مسده، ونحو ذلك قوله عز وجل : ( كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر ) الحشر : 16 ) ، ومما يقرب ما قلته إلى العقول ما يجري في العصر الحديث من التأثير النفسي من إنسان على آخر ، ولو بعدت المسافة بينهما بالمكالمة الهاتفية حتى ينام المؤثر عليه بخطاب المؤثر ، وهو ما يسمى بالتنويم المغناطيسي .
واستشكل وقوع آدم في حبائل كيد إبليس بأكله من الشجرة التي نهاه الله تعالى عنها مع تحذير الله إياه من مكائد الشيطان وإيذانه أنه عدو له ولزوجه ، وأنه يسعى إلى إخارجهما من الجنة وإشقائهما ، وهذا كله من دواعي التفطن لمكائده والاحتراز من شروره ، واتهامه في كل ما يصدر عنه مما يدعيه نصحا وإرشادا ، وقد كان هذا الاستشكال منشأ اختلاف عريض بين المفسرين بحسب ما اتجه لكل من جواب ، وقد بلغ الحال ببعضهم أن ادعى أن آدم عليه السلام لم يأكل من تلك الشجرة إلا بعدما سقته حواء الخمر فسكر ، وهو منسوب إلى سعيد بن المسيب ، وروي عنه أنه كان يقسم عليه ، وهو باطل من وجوه : أولها : أنه لم يثبت به نقل ولا مجال في إثبات مثل ذلك بمجرد النظر ، ثانيها : أن الأنبياء عليهم السلام لا يصدر منهم ما يخل بعقولهم ، كيف وهم أوفر الناس عقلا ، وأسماهم فكرا ، وأنورهم بصيرة .
ثالثا : أن خمر الجنة ليست مسكرة فإن الله نعتها بقوله : ( لا يصدعون عنها ولا ينزفون ) ( الواقعة : 19 ) ، وهذا مبني على أن جنة آدم هي دار الخلد كما هو