جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

هبوط آدم وحواء إلى الأرض

الجزء ٣ · صفحة ١٠٧

هبوط آدم وحواء إلى الأرض

والعطف بالفاء في قوله : ( فأخرجهما مما كانا فيه ) ( الآية 36 - البقرة ) لأن المعطوف فرع عن المعطوف عليه ومسبب له ، إن فسر الإزلال بالإيقاع في المعصية ، فإن اخراجهما من الجنة ناشىء عن ذلك ، وإن فسر الإزلال بالإخراج فهو من باب عطف التفصيل على الإجمال ، وجيء بالفاء لإفادتها الترتيب الذكري ، كما في قوله تعالى : ( وكم من قرية أهلكناها فجاءها يأسنا ) ( الأعراف : 4 ) ، وقوله : ( كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا ) ( القمر : 9) ، ومثله يقال في قراءة حمزة : ( فأزالهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه )

( الآية 36 - البقرة ) ، وبهذا يندفع ما قاله ابن جرير من لزوم التكرار على هذه القراءة فإن عطف التفصيل على الإجمال شائع في القرآن وغيره من الكلام العربي ، ومن ناحية أخرى فإن (( ما كانا فيه )) ليس نصا في الجنة لاحتمال أن يفسر بنعيمها أو بما كانا عليه من طاعة الله وأنسها ، فأخرجهما الشيطان عنه إلى نقيضه من المعصية ووحشتها .

ومهما يكن المراد (( بما كانا فيه )) من الجنة ونعيمها ، أو من الطاعة وأنسها ، فإن التعبير بالموصول يفيد التفخيم كما هو في قوله تعالى : (( فغشيهم من اليم ما غشيهم ) ( طه : 78 ) ، وفيه تلويح إلى ما لحقهما من الخسران بسبب هذا الإخراج ، وفي استحضار ذلك لمن تلا الآية أو تليت عليه موعظة وذكرى ، وترسيخ لعداوة الشيطان في النفس ، فإنه هو الذي جر على أصل الإنسانية هذه المصيبة فما أجدر الفروع أن تثأر لأصلها بمعاداة الشيطان وحزبه ، ومقاومة وساوسه، والحذر من إغرائه وإغوائه ، والسعي إلى تخييب سعيه في إضلال البشر ، وقطع حبل أمانيه في إهلاكهم ، وهذا أصل تربوي ناجح في إعداد النفوس لما يراد منها ، إذ في تذكير الأولاد والأحفاد بمصائب الآباء والأجداد تأصيل لكراهية من كان السبب في هذه المصائب ، وقد

٨٨٤ / ١٬٢٢٠