الشيطان عدو ماكر
الجزء ٣ · صفحة ١٠٤لهما سوآتهما فتذكرا عهد الله فآبا إليه بالندم والحسرة على مقارفتهما معصيته ، وهذا التأويل أحسن ما يجُمع به بين الآي المتحدثة عن هذه القصة وإن لم أجده مأثورا عن أحد ، وما أحسن ما قيل :
ويؤيد ما ذكرته أن الله سبحانه أراد بقصة آدم تنبيه ذريته إلى مكائد الشيطان ووجوب احتراسهم منها وتفطنهم لها، من المعلوم أن إغواءه لهم لا يكون ببروزه إليهم ومشافهته إياهم ، وإنما يكون بوساوسه الخادعة التي يلقيها في صدورهم فناسب ذلك أن يكون شأنه مع أبيهم كشأنه معهم .
وإن اعترض معترض بأن الله تعالى وصف آدم بالمعصية والغواية في قوله : ( وعصى آدم ربه فغوى ) ( طه : 121 ) ، وما ذكر في هذا التأويل يستلزم تبرئته من الغواية والعصيان لأن الجدير بحلم الله عز وجل أن لا يؤاخذ عبده بما قارفه نسيانا ، فإن النسيان ليس من كسب الناس وإنما هو أمر مفروض عليه ، ومن المعلوم أنه تعالى آخذ آدم بصنيعه هذا إذ أبدى له سوأته وأخرجه من جنته .
فالجواب أن تسمية ما صدر من آدم غيا وعصيانا إنما هو بالنظر إلى علو قدره وسمو رتبته ، كيف وقد اختاره الله خليفة في الأرض وعلمه الأسماء كلها وفضله بتعليمها للملائكة وإسجادهم له ؟ فكان حريا أن يتفطن في كل حالاته لمكائد الشيطان العدو الأول له ولذريته – لا سيما وأن الله قد حذره منه وبين له عاقبة متابعته – وأن لا يسترسل مع أماني الخلد حتى ينسى عهد الله إليه ، فأي غرابة مع ذلك إن سمى الله ما صدر منه في حالة سهوه غيا ومعصية ؟ وما أحسن قول من قال : (( حسنات الأبرار سيئات المقربين )) وأي غرابة كذلك في تأديب الله إياه وابتلائه بإخراجه من الجنة لتكون في ذلك عبرة لذريته وردع عن العصيان وتحذير من مؤامرات الشيطان ؟ وهذا الحديث يجرنا إلى الكلام في عصمة الأنبياء ولو بإيجاز ،
---